الجمعة 22 اكتوبر 2021

دولة المافيا

مقالات12-10-2021 | 13:08

داخل أي مجتمع بشري في العالم تتواجد الجريمة بل إن مع الظهور الأول للبشر على هذه الأرض كانت جريمة القتل حاضرة، مهما بلغ حجم الجريمة فإنها تعتبر استثناءً داخل أي دولة، لكن في إيطاليا أصبح للمافيا أو الجريمة المنظمة دولة تتحكم في كل شيء ويعمل في خدمتها قضاة وسياسيون وصحفيون، وأصبح القرار السياسي والاجتماعي مرهونًا بقوة أباطرة المافيا ويمكن لمن يملك صلات مع المافيا أن يوجه القرار السياسي داخليًا وخارجيًا من أجل مصلحته.

هذه الصورة المرعبة عن تحكم مافيا الجريمة المنظمة في إيطاليا يقدمها بوضوح ودقة شديدة فيلم وثائقي أنتج هذا العام بعنوان "الثأر"، وأخطر ما في رواية هذا الفيلم أن من خرجوا يواجهون شر المافيا من قضاة وسياسيين وصحفيين تحولوا هم الآخرون إلى مافيا أشرس من المافيا الأصلية مما يلقى بظلال كثيفة من الشك حول مفهوم العدالة داخل روما وأي قضية تتولاها.

طوال عقود انطلق مجرمو المافيا الإيطالية يقتلون أي قاضى أو سياسى أو صحفى نزيه قرر الوقوف أمامهم، بمجرد أن يُصدر قاضى حكمًا تجاههم يتم اغتياله فى وضح النهار، ونفس المصير يلقاه السياسى الذي يحاول تشريع قانون ضدهم، وأيضًا الصحفيون الذين يفتحون ملفات جرائم المافيا هذا غير اختراق كافة طبقات السياسيين والقضاة والإعلام لقد سيطروا بأموالهم الملوثة على القرار الإيطالى.

داخل صقلية معقل المافيا بدأت تتكون حركة مناهضة للمافيا من صحفيين وقضاة وسياسيين واعتبرهم الشارع الإيطالى أبطالا، لكن قبل المعلومات التى يكشفها الوثائقى يتساءل فى بدايته هل فعلا كانوا أبطال؟ بالفعل سنجد أن هذه الحركة التى ناهضت المافيا تحولت إلى مافيا تدير عمليات المافيا، تكون البداية من الصحفى والمذيع "بنيو مانياتشى" الذي يمتلك المحطة التليفزيونية "تيلى ياتو" وهي محطة خصصها لمهاجمة المافيا وفضح أعمالها وكل من يتعاون معها من سياسيين وقضاة لكن الغريب أن المافيا التى كانت تطلق الرصاص على يقترب منها تركت  "مانياتشى " يسبها بأفظع السباب ويحشد الشارع لصالح حركة مناهضة المافيا، لكن وقعت حادثة أولى فاحترقت إحدى سيارات المحطة وخرج مانياتشى يعلن أنه لن يتراجع.

بعدها فوجئ بذبح كلبيه وتعليقهما فى حديقة منزله وتعاطفت إيطاليا بكاملها مع مانياتشى وكلبيه المذبوحين، بل اتصل به وقتها رئيس الوزراء الإيطالى ماتيو ريتزى مؤازرًا له ودعا ريتزى مانياتشى لزيارته فى مقر الحكومة بروما.

بدأت تظهر على ساحة مكافحة نشاط المافيا بطلة أخرى القاضية سلفانا ساجوتو ذات المركز القضائى المرموق فى محكمة باليرمو والتى تولت قسم التدابير الوقائية وهو القسم القضائى الذى تم تفعيله مؤخرًا لمصادرة أموال أباطرة المافيا الذين توجه لهم اتهامات أو من يشتبه فى تعاونهم مع المافيا وانطلقت ساجوتو وقسمها فى مطاردة أموال المافيا ومن يتعاون معها وهى أموال تقدر بملايين اليوروهات وليست أموالا سائلة فقط بل هناك شركات ومصانع وعقارات.

على المستوى السياسى ظهر العديد من العمد للمدن الإيطالية والسياسيين المنتخبين يؤيدون الحملات التى يدشنها بينو مانيا تشى وعلى رأسها حملة "عش بكرامة ولا تدفع للمافيا" وهى موجهة للإيطاليين وأصحاب الأعمال حتى لايدفعوا إتاوات لعصابات المافيا التى تبتزهم.

فى كل يوم كانت حركة مناهضة المافيا تكتسب شعبية كبيرة فى الشارع الإيطالى ويصبح لها المزيد من الأنصار وعلى رأس الحركة البطلين الصحفى مانياتشى والقاضية ساجوتو، ولكن الغريب أن المافيا الشرسة التى كانت توجه رصاصاتها إلى كل من يقف فى طريقها تحولت إلى عصابة مسالمة تاركة حركة مناهضة المافيا وأبطالها يعملون بكل أمان فى الشارع الإيطالى.

بدأت نقطة التحول واكتشاف الحقيقة عندما ظهر حجم الأموال التى تصادرها القاضية ساجوتو وقسمها التدابير الوقائية وكان من ضمن هذه المصادرات شركة تزود الغاز للمدن الإيطالية وقدرت بعض استثماراتها بـ 150 مليون يورو، واتهم أصحاب هذه الشركة بأنهم متعاونين مع المافيا أو يقومون بغسيل أموال عصابات الجريمة المنظمة، فى تلك اللحظة تحولت محطة التلفزة "تيلى ياتو" وصاحبها بينو مانياتشى من مهاجمة المافيا والسياسيين الخاضعين لها إلى مهاجمة القاضية ساجوتو وتوجيه اتهامات لها بأنها تدير هذه الأموال بطريقة غامضة تفتقد الشفافية.

ظن الجميع وقتها أن هدف بينو مانياتشى هو تحقيق العدالة كما هى عادته، لكن هنا اتهمت القاضية ساجوتو المحطة وصاحبها مانياتشى بأنه يشهر بها ويعيق العدالة وعندما اختلف أبطال حركة مناهضة المافيا ظهرت الحقيقة المؤلمة وبدأت تتسرب الفضائح من شقوق الخلافات.

أول ما تسرب فيديو نشر على السوشيال ميديا لبينو مانياتشى فى مكتب أحد عمد المدن الإيطالية والذى كان يهاجمه دائمًا مرة لتقصيره فى عمله ومرة أخرى لأنه على علاقة بالمافيا فى الولايات المتحدة، كان مانياتشى فى الفيديو يبتز العمدة ويطلب منه أموالا نظير توقف المحطة عن مهاجمته وحصل بالفعل على هذه الأموال ولم يكن الابتزاز المالى فقط ما تم الكشف عنه فمانياتشى يستغل محطته والضغط الذى تمارسه فى توظيف معارفه فى وظائف بالبلديات.

تعلقت الفضيحة الكبرى بالنسبة لبينو مانياتشى فى واقعة ذبح الكلبين فقد اتضح أن المافيا بريئة من هذه العملية وأن من ذبح الكلبين زوج عشيقة بينو مانياتشى الذى هدد مانياتشى بأنه سيؤذيه هو وعائلته وكلابه إذ لم يبتعد عن زوجته وبدأ الزوج المخدوع بالكلاب، كشفت هذه الحقيقة تسجيلات تليفونية مسربة بين مانياتشى وعشيقته وتسبب هذا الكشف فى حرج شديد لحكومة روما التى تعاطفت مع مانياتشى وكلابه المذبوحة وخرج ماتيو رتيزى رئيس وزراء إيطاليا يعلن اعتذاره مؤكدًا أنه لم يكن يعلم بحقيقة ما حدث ولو كان يعلم ما كان اتصل بمانياتشى وتعاطف معه.

بالنسبة للبطلة الأخرى القاضية ساجوتو كانت الوقائع المسربة أكثر خطورة وكارثية وتمس النظام القضائى الإيطالى بالكامل، فالقاضية ساجوتو كانت تدير أموال المافيا لحسابها وحساب عائلتها ولكل من ترضى عنه فحسب نظام التدابير الوقائية كان يمكن للقاضية ساجوتو تعيين مديرين قضائيين لإدارة الأموال المصادرة وهنا كانت تأتى التوصيات من زملائها فى سلك العدالة لتعيين المديرين ليستفيد الكل أما بالنسبة لعائلة ساجوتو فزوجها وابنها الأكبر كانا يشاركنها فى الإدارة وهناك محامى عمل سابقًا فى سلك القضاء يتولى جمع الأرباح بصفته مدير قضائى معين من قبل القاضي ساجوتو.

لم يكن السياسيين بعيدين بالتأكيد عن فضائح أبطال مقاومة المافيا فظهرت علاقة بعضهم بالمافيا فى الولايات المتحدة غير العلاقات الغامضة لهم بالمافيا الأم فى إيطاليا وأن أمر هذه العلاقات يمتد فى كافة الاتجاهات السياسية دون وجود سقف يمنعها من الوصول إلى أعلى درجة.

أمام هذه الفضائح الكارثية كان يجب تدخل الدولة فى إيطاليا بالتأكيد تدخلت الدولة الظاهرة وليست دولة المافيا الخفية وإن كان أمام كل هذه الوقائع لايمكن التمييز بين الظاهر والخفى.

 ذهب جميع الأبطال إلى محاكمات من أجل تحقيق العدالة الضائعة بين المافيا وأبطال مناهضة المافيا ولكن أثناء المحاكمات حدثت جرائم غامضة تتعلق بشهود رئيسيين فى القضايا غير تبدل شهادات بعض الشهود، فمن كان يملك هذه القدرة ويحرك اليد التى تريد خروج مشاهد المحاكمات بأقل قدر من الخسائر للأبطال الذين اشتبكوا مع بعضهم البعض بسبب حجم الأموال والمصالح المتصارع عليها؟

هل كانت المافيا تصنع كل ذلك وتتحكم فى الجميع؟ خاصة أن مع انتشار وباء كورونا فى إيطاليا كانت المافيا تكتسب شعبية فى الشارع الإيطالى لأنها توزع مساعدات مالية على الفقراء ومن تضررت أعمالهم بسبب الوباء أم أن الأموال التى كانت تصادر من المافيا تعود لها من جديد بوسائل أخرى؟.

كان المشهد الأكثر وضوحًا فى المحاكمات أجندة ضخمة أخرجتها القاضية ساجوتو من حقيبتها وهى تدافع عن نفسها وقالت إن بالأجندة مئات بطاقات الأعمال لزملاء لها فى السلك القضائى وشخصيات هامة تحمل توصيات لأجل تعيين مديرين قضائيين ليديروا الأموال المصادرة لأنها لا تعين إلا أصحاب الثقة لقد كانت الإشارة واضحة من ساجوتو بأن المساس بها يعنى فضح الجميع.

أما فى محاكمة بينو مانياتشى فقد كان رئيس الدفاع عنه هو أنطونيو أنجوريا وهو وكيل نيابة سابق ومحامى حالى ويحاكم فى قضية أخرى لأنه تعاون مع المافيا وحصل على آلاف اليورووات.

قبل أشهر قليل صدرت الأحكام فى حق ساجوتو وعائلتها والوسيط وضد بينو مانياتشى ومحاميه أنطونيو أنجوريا بالنسبة للقاضية ساجوتو تم إسقاط أغلب التهم تجاهها ماعدا تهم إساءة استخدام السلطة وعقوبتها 8 سنوات وحكم على ابنها بستة أشهر وزوجها 6 سنوات والوسيط 7 سنوات أما بينو مانياتشى فأسقط عنه تهمة الابتزاز وحوكم بتهمة التشهير فقط وعقوبتها عام وهى نفس العقوبة التى حصل عليها محاميه أنطونيو أنجوريا.

هل ذهب الأبطال إلى السجن؟ لم يذهب أحد إلى السجن لأنها أحكام غير نهائية وقابلة للاستئناف وقد تخفف إلى حد كبير مع الاكتفاء بتوقيع الغرامات أو قد يحصلون على البراءة الكاملة كما حدث فى قضايا سابقة ولا يمكن توقيع عقوبات الحبس على المتهمين إلا بعد تصديق المحكمة العليا الإيطالية على الحكم النهائى.

الغريب أن بعد انتهاء المحاكمات توسعت أعمال محطة "تيلى ياتو" لصاحبها بينو مانياتشى وعادت القاضية ساجوتو وزوجها وابنها الى فيلتهم الرائعة، أما أباها الذى كان متهمًا معها فى القضية بغسل الأموال فحصل على البراءة والمحامى أنطونيو أنجوريا وكيل النائب العام السابق فعاد هو الآخر إلى سيارته الفارهة وسائقه الخاص.

يختم الوثائقى هذه الأحداث الغامضة وأجواء الفساد بكلمة لقاضى إيطالى اسمه جيوفانى فالكونى حارب المافيا بشكل حقيقى وليس على طريقة الأبطال ولذلك اغتالته المافيا أو من يديرها هو وزوجته بقنبلة وزنها 350 كيلوجراما من المواد المتفجرة، يقول جيوفانى مخاطبًا الإيطاليين" كثيرا ما قلت أن وجود المافيا حجة وتستر لتبرير المخالفات والفساد فى كل أجزاء المجتمع".

إن ما قاله القاضى المغتال جيوفانى فالكونى يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الأجواء التى تفرز الفساد لايمكن أن تنتج عدالة حقيقية أو أبطالا.