الجمعة 22 اكتوبر 2021

عصر ما بعد الفوضى.. نصر أكتوبر ودرس الانتماء

مقالات6-10-2021 | 21:23

ربما يلاحظ كثيرون منا إصرار الجماعة الإرهابية على تشويه انتصار أكتوبر المجيد كأحد الأيام الخالدة في الوجدان المصري، تحت دعاوى كثيرة لا منطق فيها ولا أي عقل، فهم بالأساس قوم لا علاقة لهم بالحرب الحديثة، ولا يفهمون شيئا في تقديراتها أو معلوماتها، حيث لا خبرة لهم إلا في حرب العصابات أو الشوارع التي تدربوا عليها، فلا يمكن لجماعة عاشت عقودا طويلة تحت الأرض في الظلام أن تكون لقادتهم صلة بالاستراتيجيات العسكرية الحديثة أو فنون القتال أو حتى التفاوض على أساس وطني، فلا يعرفون من الدبلوماسية شيئا غير تفاوضاتهم المحكومة بعلاقة الخائن بمشغله سواء في أمريكا أو لندن أو أي أطراف خارجية. ولا يمكن لجماعة مثلهم أن تقدر حجم النجاح المصري أو تعرف الدور العسكري أو التميز والتفوق الكبير الذي حدث في حرب أكتوبر المجيدة. لا يعرفون شيئا عن التفاصيل الخاصة بحائط الصد أو تطوير منظومة الدفاع الجوي أو يعرفون شيئا عن تفوق الطيران المصري في المواجهات المباشرة برغم عدم الحصول على أحدث نسخ الطائرات السوفيتية، ولا يعرفون شيئا عن ما ارتبط بحرب أكتوبر من خطة الخداع الاستراتيجي التي كان لها أكثر من وجه أو جانب من جوانب التلاعب بتقديرات الإسرائليين وتوقعاتهم، لا يعرفون شيئا عن جهود التسليح وتمويل الصفقات العسكرية وكيفية إدارتها مع الشركاء في إطار من سرية كبيرة، ولا يعرفون شيئا عن ما ارتبط بالحرب من سلسلة من التدريب والتطوير والصيانة وتغيير منظومات كثيرة في الجيش المصري. 
وبرغم كل هذا الجهل منهم بالحرب وتفاصيلها لكنهم يصرون على خطاب عدائي تضليلي كله كذب، لا يركزون فيه على شيء إلا على الثغرة والخلاف بين القائد العظيم الرئيس أنور السادات والبطل العظيم سعد الدين الشاذلي، ويميلون دائما إلى تخطئة السادات ويتصورون أن اختلاف الرفقاء يمكن أن يكون مثل خلافهم مع الشعب المصري، خلاف الشاذلي مع السادات لم يكن أكثر من اختلاف في التقديرات والرأي ووجهة النظر في الحرب بين قائدين وطنيين، بين صديقين، بين رفيقين، بين الأستاذ وتلميذه، بين من يرى من زاوية الحرب فقط وكانت هذه هي رؤية ووجهة نظر الفريق سعد الدين الشاذلي وبين رؤية الرئيس السادات الذي يرى الحرب في إطار أوسع من التداخل السياسي وربط الحرب بما بعدها من مراحل التفاوض.

لقد قرأت وجهة نظر الرجلين كما قرأت عديد الكتب عن الحرب وبخاصة من منظور الضباط الإسرائيليين الذين كتبوا عنها باستفاضة في مذكراتهم، ولم أجد أن هناك خلافا عدائيا بين السادات والشاذلي، وأن الأمر لم يكن أكثر من وجهات نظر كلها في إطار البطولة والانتصار، فالسادات العظيم لم يكن يدير الحرب بمنظور القائد العسكري، ولكن من منظور الرئيس، وكان يريد من فكرة تطوير الهجوم شرقا أن يوصل رسالة إلى الإسرائيليين، وينقل لهم إرادة الشعب المصري القوية وأحيانا المتهورة أو المدفعة نحوهم، وغير العابئة على الإطلاق بأي خسائر، فضلا عن أنه كان يدرك أن الثغرة ليست أكثر من فكرة ساذجة يريدون بها تشتيت الجيش وإرجاعه مرة أخرى، وأنهم ما كانوا ليستقروا أبدا خلف خطوطنا أو يفكروا في التقدم أكثر باتجاه القاهرة. لقد كان تطوير الهجوم شرقا هو السبب المباشر في الثغرة ولكن بحسابات الرئيس السادات كان لتطوير الهجوم والامتداد به حتمية كبيرة لعدم إظهار العجز عن التقدم، كان لابد من أن تبرز الحرب الإرادة المصرية الصارمة في التقدم في سيناء وقد كان، وفي الثغرة تمت إدارة المعركة على نحو عظيم كبد الإسرائيليين خسائر عظيمة اضطرتهم للتراجع في النهاية. 


أتباع الجماعة الإرهابية لا يقرأون، لا يطلعون إلا على كتب أساتذتهم في حال لو فكروا في القراءة. ما يجيدونه ويتميزون فيه هو ترديد كلام أساتذتهم وما يريدون له الترويج، ليسوا أكثر من مجرد أبواق، والعقل المتحرر منهم الذي يفكر في معرفة الحقيقة والبحث ودراسة عبقرية الجيش المصري لوجدوا الكثير من الكتب، وهذا العقل المتحرر لن يطول وجوده كثيرا بينهم وسيتمرد عليهم حتما وينفض عنه أفكارهم، لأنه سيكتشف أنه يدلسون عليه ويخدعونه طوال الوقت ويسخرونه لخدمة مشروعهم. 


من يريد معرفة الكثير عن الحرب عليه أولا بكتب الإسرائليين أنفسهم ويطلع على آراء ضباطهم ويعرف تقديرهم لخسائرهم وقدر ألمهم وقدر مفاجئتهم وصدمتهم مما أحدثه الجيش المصري وأبطالنا المقاتلون. يمكن أن يعرف الكثير لو اطلع على ما كتب في وثائق لجنة أجرانات التي تم الإفراج عن بعضها، ويمكن أن يقرأ عشرات المذكرات لقادة الحرب من الإسرائيليين مثل مذكرات موشيه ساسون، وتشافي زامير، ورافائيل إيتان، و شارون، وإيلي زعيرا، وديفيد إليعازر، وغيرها الكثير من المذكرات التي يعترف فيها الإسرائيليون بكل التفاصيل ويمجدون في الجيش المصري أكثر من الجماعة الإرهابية التي مازالت مصرة على أن ترى منها الثغرة فقط، ولا يعترفون حتى بالمنطق الطبيعي بأنه لا توجد قوة يمكن أن تمنح الأرض التي استولت عليها على سبيل الهدية، وأن الأرض لا يمكن انتزاعها إلا بالقوة، وهو ما كان حيث استعادت مصر كل شبر في أراضيها وانسحبت القوات الإسرائيلية تماما وتراجعت، وهو ما لم يحدث في مواضع أخرى من دول شقيقة مع الأسف، ذلك لأن الإسرائيليين في الواقع لا يعترفون إلا بالقوة ولا يتراجعون إلا أمام القوي.


هذه الجماعة الإرهابية ليست منا وليس لديها أي عقيدة وطنية مهما حاولت أن تظهر بخلاف هذا، أو حاولت تمثيل الدور الوطني بصورة تمثيلية فاشلة ومكذوبة، مشاعرهم الوطنية غير صادقة أبدا، والأمر لا يحتاج إلى تفتيش في القلوب، فيبدو أن احتفال المصريين عبر صفحات التواصل بانتصارنا يغيظهم ويذكرهم باستمرار ببطولة الجيش المصري وتطوره الدائم وقدرته على النهوض سريعا من كبوة 67 ليعود ماردا متجددا، حفظه الله، وهذا الغيظ يصل بهم إلى مدى بعيد فيجعلهم يتبنون خطابا ملؤه الغيط والرغبة في الكيد، والحقيقة أن المصريين مهما استفزوا منهم قد لا يلتفتون لهم، ويظل حوارهم داخل أسوار مجموعاتهم المغلقة، فهم أقرب إلى جيتو يخاطب نفسه طوال الوقت.
وهكذا لم يكن غريبا مثلا أن الجماعة جاءت برجالها من الإرهابيين المتقاعدين ليحتفلوا بانتصار أكتوبر في استاد القاهرة في المرة الشهيرة، وحضر الاحتفال قتلة السادات صاحب قرار الحرب وبطلها الشجاع، ولكن ما ظل ثابتا لديهم هو شكل تداولهم للنقاش حول انتصار أكتوبر عبر صفحات التواصل الاجتماعي في كل عيد وذكرى فرحة للشعب المصري بالانتصار العظيم، فدأبت الجماعة ورجالها أن يتناقشوا حولها بالإنكار أو التشكيك، والحقيقة أن هناك سببا ظاهرا وأساسيا وهو الانتماء، فهم لا ينتمون لنا، وبالتالي فمن الطبيعي أنهم لا ينتمون لانتصاراتنا.
يظل انتصار أكتوبر المجيد حافلا بالدروس ويعلمنا الكثير عن الروح المصرية وإرادة الشعب المصري وقوة جيشنا العظيم المعبر عن إرادة الشعب وطموحه وإخلاصه، ويظل احتفالنا بالنصر العظيم مناسبة لاكتشاف الخونة وغير المنتمين والساقطين ممن يعتادون على الغمز والتشويه والكذب وهم أبعد الخلق عن المعرفة الحقيقة أو العلم والبحث، عاشت مصر وعاش جيشها العظيم ودامت انتصاراتنا وأفراحنا بإنجازاتنا المتجددة وتاريخنا الوطني المجيد.