الجمعة 22 اكتوبر 2021

وجوه.. وأقنعة

مقالات6-10-2021 | 21:20

في إحدى الحفلات جلست امرأة بجوار الكاتب الشهير «برنارد شو»، فهمس في أذنها: 

- هل تقبلين قضاء ليلة معي مقابل مليون جنيه؟ 

ابتسمت وقالت: 

- طبعًا بكل سرور. 

عاد وسألها: 

- هل من الممكن أن نُخفِّض المبلغ إلى عشرة جنيهات؟ 

غضبت المرأة وصرخت في وجهه: 

- من تظنني أكون؟1 

قال: 

- سيدتي نحن نعرف من تكونين .. نحن فقط اختلفنا على الأجر. 

كم منا طرح هذا السؤال على نفسه: 

- من أنا؟ .. ومن أكون؟ 

كثيرون يخشون سقوط الأقنعة البرَّاقة التي تغطي وجوههم، ويتخفون وراءها .. 

الازدواجية العربية داء عضال احتار الأطباء في معالجته، نبطن شيئًا ونظهر شيئًا آخر .. نظهر ورعًا وتقوى، ونخفي عهرًا وفجورًا .. إنني لا أصدر أحكامًا عامة ومطلقة، من المؤكد أن هناك استثناءات يتصف أصحابها بالصدق والنزاهة .. غير أن خطورة الحديث عن وجود استثناءات تكمن في أن مثل هذا الحديث يُفْسِّد الغرض من كتابة هذا المقال، إذ سوف يسارع كل من يقرأ هذا المقال بإدراج نفسه ضمن هذه الفئة المستثناة، وبالتالي لن يكلف نفسه عناء البحث عن حقيقة ذاته: هل هو حقًا صادق وأمين وشريف؟ أم أنه ينسب هذه الفضائل إلى نفسه ادعاءً؛ معتقدًا إنه من أهل التقوى والورع في الظاهر والباطن؟ 

يحلو للمرء دومًا توجيه سهام النقد إلى غيره من البشر، مستثنيًا ذاته من الملامة، ينتبه إلى عيوب الآخرين غافلاً عن أخطائه وخطاياه، وذلك ما أشارت إليه إحدى آيات الكتاب المقدس (العهد الجديد: إنجيل لوقا الإصحاح السادس 42، وإنجيل متى الإصحاح السابع 6)؛ جاء في تلك الآية: «لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟». والقذى: هو الوسخ الذي يوجد في ركن العين، والذي يميل لونه إلى الاصفرار أو الاخضرار، والمقصود به الأشياء الضئيلة التي لا تكاد تدرك، يراها الإنسان ويفتح عينيه عليها ما دامت في عين أخيه. ويغفل عن الخشبة المغروزة في عينه!! ترسم الآية صورة تنطوي على قدر كبير من المبالغة؛ لكنها مبالغة تستهدف إيضاح كيف أن المرء لا يفطن إلى عيوبه، وإن فطن إليها فإنه يحرص على تجاهلها، ويُشيح بوجهه عنها؛ كأنها غير موجودة. لا يشغل باله بالبحث عن عيوبه وفحصها ومحاولة إصلاحها، في حين يدقق في سلوك الغير، ويتحرى عن أخطاء الآخرين وخطاياهم بغية إدراك عيوبهم مهما صغر قدرها!! 

لا يكف المواطن العربي، ليل نهار، عن توجيه سهام النقد لكافة الأوضاع السائدة في بلاده، وخلال هذا النقد يستثني نفسه من اللوم، يُلْقِي مسئولية كل قصور على كاهل غيره، حتى بدا المشهد في نهاية الأمر وكأن قوى خفية هى التي ارتكبت كل الأخطاء والخطايا، وتسببت في حالة التردي التي نحن عليها. 

إذا تحدثنا عن انحطاط القيم الأخلاقية، فإن الواحد منا يأسف على تفشي النفاق والكذب وعدم الوفاء بالعهد وغيرها من رذائل. إذا نظرت إلى حماس هذا الشخص أو ذاك وهو يدافع عن القيم والمثل، ويحزن لغيابها؛ حتى تنتابك الحيرة، وتجد نفسك مضطرًا لطرح السؤال الآتي: 

إذا كان كل واحد منا يتحدث بوصفه مصلحًا، فمن يا ترى المسئول الحقيقي عن هذه الحالة من التردي التي تعيشها مجتمعاتنا؟ 

إن الإنسان الفرد لا يرى نفسه بوضوح. فأنا الآن لا أرى نفسي وأنا منهمك الآن في كتابة هذه المقالة، وأنت الآن لا ترى نفسك وأنت تقرأ هذه المقالة .. لن تتمكن من رؤية نفسك إلا إذا كنت جالسًا أمام مرآة .. غيرك يراك، وأنت ترى غيرك .. ننتبه إلى الغير وما يرتكبه من أفعال، ونغفل عن رؤية أنفسنا .. غياب الوعي الذاتي وتغييبه مسئول عن كثير من المظاهر السلبية السائدة في مجتمعاتنا، ترى بوضوح غيرك متلبسًا في حالة نفاق فج ومدح سقيم لرئيسه في العمل، ولا تنتبه إلى ما ترتكبه أنت من تملق مخزٍ لرئيسك في العمل ..  

إن حالة التردي التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية تتمثل في السلبية وعدم الجسارة على توجيه أصبع الاتهام لكل من يرتكب خطأ أو جرمًا في حق الناس والمجتمع. الواحد منا يؤثر السلامة مادامت مصلحته أو على الأقل الحد الأدنى منها قد تحقق، فلا داعي للمجازفة والمخاطرة بأمنه واستقراره. عليه أن يبلع لسانه في حلقه ويلوذ بالصمت في مواجهة حالات الظلم .. وما أكثرها!! 

هل سألت نفسك: من أنا .. ومن أكون؟ 

نحن نعرف من تكون .. نحن فقط نختلف حول المصلحة التي تريد تحقيقها!!