الجمعة 17 سبتمبر 2021

حكاية أول وآخر عشاء تناولته في بيت ياسين سراج الدين

مقالات14-9-2021 | 20:51

ذات مساء اتصل بي مجدي مهنا صديق عمري ودفعتي في كلية الإعلام: سولم.. بقولك إيه.. ياسين بك سراج الدين بيدور عليك وعايزك تكلمه ضروري في الرقم ده النهاردة بالليل .

 

جري هذا الاتصال من المرحوم مجدي مهنا بعد عشرة أيام من نشر مجلتي "المصور" الانفراد الصحفي الذي سبقت به كل الصحف والمجلات المصرية بحواري الأول مع فؤاد سراج الدين باشا الذي حصلت عليه بعد ساعات قليلة من قرار محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة عام 1984 بعودة حزب الوفد إلى ممارسة دوره كحزب في الحياة السياسية والبرلمانية.

 

في المساء.. اتصلت بمنزل ياسين بك سراج الدين.. ردت عليا حرمه المصون السيدة عواطف سراج الدين.. لحظة واحدة وياسين بك هيكلمك.. ماشي يافندم.

بصراحة.. وبكل صراحة اللحظة الواحدة دي طالت.. طالت قوي.. فضلت 7 دقائق وأنا أقول كل شوية آلو آلو.. ولا حدش رد !

 

حطيت السماعة.. اتصلت تاني رد هو المرة دي.. أنا آسف.. أصلي اتزحلقت في الحمام وكنت هتكسر.. الحمد لله.. المهم.. إيه الحديث الحلو ده اللي عملته مع الباشا.. أنا سمعته كله وكنت عمال أراقبك وأنت بتوجه أسئلتك لـ"فؤاد باشا" وكل الناس اللي كانوا حولي أشادوا بك وبجرأتك وثباتك الانفعالي، وأنت تحاور فؤاد باشا سراج الدين في القصر.. المهم أنا كنت عاوزك تعدي عليا في البيت شوية.. موافق طبعاً يا ياسين بك بس بشرط أعمل حوار معاك.. مش ده غرضي من لقائك لكن خلاص نعمل الحوار يا سيدي بس بشرط الحوار يتم بعد العشاء.. ماشي؟.. قلت ماشي.

 

 في موعدنا المتفق عليه كنت أدق جرس باب فيلا ياسين بك.. في عمارته بشارع النيل التي لا تبعد سوي 250 متراً من شقة ومكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل في عمارة جوهرة النيل القريبة من فندق شيراتون الجيزة.. صحيح أن العمارة هي إحدى ممتلكات ياسين بك، لكن كان يسكن بها مستأجرين كبار في القيمة والقامة مثل المحامي الشهير مصطفى مرعي مفجر قضية الأسلحة الفاسدة .

 

استقبلني ياسين بك استقبالا احترت في تفسيره.. ما كل هذا الترحيب!.. لم أتكلم .. بدأ هو الكلام بينما آثرت أنا الصمت.. لقد جئت إلى هنا بناء على طلب شقيق الباشا.. اللي عجبنا فيك يا أستاذ سليمان أنك كنت تسأل الباشا بجرأة مطلوبة وبحرفية غائبة هذه الأيام عن غالبية الصحفيين.. أنت عارف طبعاً أنني كنت أمتلك جريدة خاصة هي "النداء" قبل ثورة 23 يوليو 1952.. وكان يكتب فيها كبار المثققين والأدباء في مصر من أول د. طه حسين إلى د. مصطفي محمود وأنيس منصور ود. يوسف إدريس ود. إبراهيم ناجي صاحب الأطلال.. وكان يعمل معي في النداء أيضأ عدد من مشاهير أهل الصحافة مثل أستاذك الآن في المصور يوسف فكري وأستاذ صحافة الحوادث في مصر عبد المنعم الجداوي.. والنبي سلم لي على يوسف والجداوي.. أنا نفسي قوي أشوفهم.

 

مضت قرابة نصف ساعة على جلوسي في الصالون استمع واستمتع بما يقوله ياسين بك.. سرحت قليلا وشردت ليستردني سؤال ياسين بك: سرحان في إيه؟.. لم أعرف بماذا أجيب.. ترددت.. طال صمتي.. هو فين كرباج ياسين بك سراج الدين اللي قال ثوار يوليو أن الإقطاع والباشوات اللي زي آل سراج الدين كانوا دايمًا بيضربوا بيه الفلاحين الغلابة.. طال صمتي.. هو اللي بيتكلم معايا فعلا واحد من الناس اللي مصت دماء المصريين وقامت الثورة عشان تنقذهم من هؤلاء الغيلان مصاصي الدماء.

 

العشاء جاهز اتفضلوا، هكذا دعتنا السيدة عواطف سراج الدين حرم السيد ياسين سراج الدين.. تركنا كلنا الصالون د. إبراهيم دسوقي أباظة وطبعا ياسين بك وشقيقه الأصغر المهندس مجدي سراج الدين الذي ربطتني به صداقة كبيرة منذ تلك اللحظة، استمرت حتي ودعتنا الأيام والليالي وانقطعت أخباره مع زحمة الأيام ولخمة الحياة.

 

ربك والحق لم أشعر بغربة أو اغتراب.. جلست أتناول بحرية ودون أي خجل عشائي الأول والأخير في بيت ياسين بك.. كرم حاتمي ملحوظ.. السيدة عواطف الدكتورة فيما بعد تلح عليا بهذا الطبق وذاك الطبق.. ديك رومي معتبر كان يتصدر المائدة.. ظللت آكل دون كلل.. وطبعاً ولا ملل.. ده ديك رومي يا ناس.. فينك يا أمي الله يرحمك.. كان نفسي تكوني معانا تشوفي ابنك قاعد مع مين.. ومعزوم عند مين.

 

خلصنا العشاء ندخل بقي على تورتة الدكتور أباظة.. أول مرة أسمع باسمها و أشوفها قدام عيني.. ها تقولوا الجدع ده فجعان قوي.. الأصح أن تقولوا أنني بحاول أنقل لكم صورة من مشاهد قليل منكم من عايشها ورآها.

 

هم هم هم.. طلبت معانا شاي من اللي هو.. السفرجي كان نوبي زي العبد لله.. قلت له شاي جتي.. يعني بالنوبي ثقيل جداً ولبن قليل جداً.. شاي جتي من اللي بشربه في قهوة الانشراح كل ما رجلي تاخدني على عابدين.

 

الساعة دخلت علي 10 ..انتقلنا ياسين بك والعبد لله لغرفة مكتبه نعمل الحوار.

 

 فوجئت ب ياسين بك يكشف لي سبب دعوتي لتناول العشاء.. شوف يا أستاذ سليمان ( أه والله قالي كده).. كل اللي شافوك وأنت بتعمل الحوار مع الباشا أثنوا عليك وقالوا ده صحفي شاطر وملم ويمتلك معلومات تاريخية قيمة.. الباشا نفسه قالي كده.. (ده ولد عفريت).. إحنا بنعمل جرنال أسبوعي في الأول وبعدين هيبق يومي.. وعاوزينك تشتغل معانا.. وتكون ضمن المجموعة الأساسية مع مجدي مهنا و زملائه الآخرين.. كنت فرحان قوي قوي وحكيت للأستاذ يوسف فكري أحد سكرتيري تحرير المصور كل اللي حصل بالضبط.. حذرني قائلا أنت اتعينت السنة اللي فاتت.. وجاي تقول ها تشتغل في الجرنال الجديد اللي ها يطلعه الوفد.. الوفد يا سليمان.. ده الأستاذ مكرم لو عرف أنك كنت إمبارح بتتعشى عند ياسين سراج الدين ها يسود عيشتك !

 

خدتها من قصيرها وسكت.. كنت لسه ما فاتش علي تعييني سنة كاملة.. خفت رئيس التحرير يرفدني.. قطعت رجلي عن بيت ياسين بك، وقلت بلاها الـ250 جنيه اللي ياسين بك وعدني بها.. رغم أنني كنت أحصل على 95 جنيها فقط مرتبي آنذاك في مؤسسة دار الهلال.

 

(الآن أتكلم ) على حد تعبير عنوان مذكرات الأستاذ خالد محيي الدين.. الآن أعترف بأنني نادم .. نادم بشدة أنني ضيعت من يدي تلك الفرصة التي جاءتني على طبق من ذهب.. ورفستها.

 

بالذمة اللي يرفس النعمة يبقي إيه يا ناس!