الجمعة 17 سبتمبر 2021

مازالت جماهير يونيو هي المُعلم والمرجعية

مقالات14-9-2021 | 12:19

عندما تمر أمة فى فترة من تاريخها بحراك ثورى فهذا يعنى أن تلك الأمة تبحث عن تغيير عميق فى بنايها، ورأت أن الأوضاع المستقرة داخل مجتمعها فقدت القدرة على الاستقرار وحان وقت تنظيمها من جديد على كافة المستويات من الدولة المنظمة لعمل الأمة إلى النظام السياسى الذى يتولى إدارة شئون الدولة.

خلال العشر سنوات الماضية دخلت الأمة المصرية بكامل إرادة شعبها فى حراك ثورى كان هدفه الأول إعادة صياغة أوضاع المجتمع على كافة الجبهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليصل فى النهاية إلى مشروع حضارى يتم تطبيقه على الداخل المجتمعى ويكون هو الرؤية التى تحكم نظرة الأمة إلى الخارج،  وتتولى دولة حديثة تنفيذ هذا المشروع الحضارى الذى أنتجته جماهير الحراك الثورى.

رغم أن الحراك الثورى يكون هدفه الأول والأساسى إحداث هذا التغيير العميق والإيجابى إلا أن من طبيعة أى حراك ثورى ألا يسير دائمًا فى  خط مستقيم متجهًا إلى هدفه الرئيسى فيتعرض فى مسيرته إلى بعض الانحناءات التى تحرفه عن مساره الطبيعى، وهو ما قابله الحراك الثورى للأمة المصرية فى مرحلته الأولى عندما استغل الفاشيست الاضطراب المرافق للحراك الثورى وضعف البنية السياسية نتيجة لحالة الترهل التى أصابت الدولة فتسللوا إلى السلطة.

أنتج هذا التسلل الفاشى إلى السلطة حالة من الصدمة المؤلمة للجماهير التى تحركت فى يناير 2011 فهذه الجماهير خرجت من أجل البحث عن الدولة الحديثة والرفاه الاجتماعى ونظام سياسى قوى ففوجئت بأنها ترتد على يد الفاشية الإخوانية إلى عصور الظلام ويتآكل ماتبقى من أى مفهوم اجتماعى حافظت عليه هذه الأمة طوال تاريخها، أما النظام السياسى فاستبدله الفاشيست بقبلية وطائفية مقيتة.

إذ كان الخروج عن المسار الإيجابى أحد نواقص الحراك الثورى نتيجة للاضطراب المرافق له، إلا أن الحراك الثورى الحقيقى والذى خاضته الأمة المصرية بكامل عنفوانها امتلك أدوات التصحيح التى تعالج هذه النواقص فى حاضره ومن أجل مستقبله.

فى المرحلة الثانية من الحراك الثورى للأمة المصرية كانت ثورة ال 30 من يونيو التى أطلقت عمل ماكينات أدوات التصحيح بكل قوة فعلى مستوى الحاضر وقتها حررت الأمة نفسها من الفاشية الإخوانية والظلامية وبالنسبة للمستقبل أنتجت ماكينات التصحيح منتجًا صلبًا ظل المجتمع لفترات طويلة يبحث عنه ولكنه لم يكن يستطيع تحقيقه ولكنه صنعه بحراكه الثورى، أنتجت هذه الماكينات للمستقبل الالتزام أو العقد الذى يجب على الدولة التى ستتولى إدارة شئون الأمة عقب ثورة الـ 30 من يونيو تنفيذه.

هذا العقد الملزم جاء على رأس أولوياته السبب الأول الذى كان من أجله  الحراك الثورى وخرجت الجماهير لتحقيقه وهو إنشاء دولة مصرية حديثة بصياغة متطورة تناسب مقتضيات العصر الذى نعيشه وتبتعد تمامًا عن أشكال سابقة من الإدارة السياسية والمجتمعية والاقتصادية كان منهجها التسويف والتأجيل فى مواجهة المشاكل المتراكمة والملحة داخل مجتمع بحجم المجتمع المصرى.

قبلت دولة يونيو هذا الالتزام والتحدى وتفاعلت القيادة السياسية التى اختارتها الجماهير بإرادتها منذ العام 2014 مع أهداف ثورة يونيو وأول هذه الأهداف العقد الملزم فى تحقيق دولة الحداثة ، منذ العام 2014، هذا العام المفصلى فى تاريخ الأمة المصرية يمكن التأكد من أن مفهوم الدولة ووظائفها تطورت عامًا من بعد عام فى السير على طريق الحداثة والابتعاد التام عن منهج التسويف والتأجيل رغم حجم التحديات المهولة التى واجهتها القيادة السياسية طوال هذه الأعوام من أجل تحقيق أهداف جماهير يونيو.

بالتأكيد لا تنتظر الدولة المصرية شهادة بنجاح ماتقوم به، لأن الشهادة الوحيدة الموثقة التى لاتقبل الشك هو حجم المنجز الذى تم على الأرض المصرية ولمصلحة المواطن المصرى وهو واضح للجميع داخليًا وخارجيًا فنحن أمام دولة قوية وحديثة استطاعت فى سبع سنوات تغيير كافة حسابات المعادلات لصالح المواطن، وعلى رأس المستفيدين كانت الشرائح الاجتماعية المستضعفة التى تحركت الدولة تجاهها بسرعة وقوة لأجل إنهاء هذا الاستضعاف الى الأبد من خلال حزمة شاملة من برامج الرعاية الاجتماعية والمشاريع العمرانية.

تم هذا المنجز وسط عواصف من الصعاب والتحديات من هجمة إرهابية دموية هى الأشرس فى تاريخ مصر إلى التربص من القوى الظلامية الفاشية المدعومة من الاستعمار والتى تمت هزيمتها على يد جماهير  يونيو وتريد الانتقام من الأمة المصرية وليس الدولة فقط.

فى خلال السبع سنوات ورغم هذه العواصف كانت الدولة تبنى منجزها القائم على مصلحة المواطن وفق قاعدة الالتزام والعهد الذى صاغته جماهير ثورة يونيو.

 ولايمكن أن نقول أن النجاح فى تحقيق سياسات الحداثة والتطور يأتى إلى الدول فى قوالب جاهزة وتقوم بتطبيقه بل هذا النجاح يأتى نتاج تجربة عميقة تصيغها الأمة وتعمل الدولة على تطبيقها،  وأساس  نجاح هذا التطبيق استمرار عقد الالتزام وعدم التراجع عنه بين الدولة والجماهير التى تحركت بعنفوان الثورة لتحقيق أهداف ثورتها ولا تقبل فرض أى رؤية خارجية فى صياغة هذه الأهداف.

تقدم الدولة المصرية الآن منجزًا جديدًا يضاف إلى المنجز الكلى الذى تعمل عليه منذ سبع سنوات وهو الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، عندما نتناول هذا المنجز الجديد بالدرس والتدقيق يجب أولا أن نرى فيه إلى أى مدى حقق شروط الالتزام بين دولة يونيو ومواطنيها، وهنا ندرس فقط البنية الكلية لهذه الوثيقة الفارقة والتى تحتاج تفاصيلها منا جميعًا التفاعل معها والمزيد من التفاعل لأنها تحقق قمة تطبيقات الدولة الحديثة على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

يظهر بوضوح فى بنية وثيقة "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" مدى الالتزام من الدولة تجاه مواطنيها وجماهير يونيو التى أمدت الدولة بطاقة هذا الالتزام، نجد أن الإطار الزمنى للوثيقة الفارقة محدد بخمس سنوات وهو أمر أصبح قاعدة فى كل ماتصدره الدولة المصرية الحديثة دولة يونيو من وثائق استراتيجية ومحورية تتعامل مع الشأن المجتمعى المصرى فهى لا تقدم وعودًا أو أطروحات مفتوحة المدة بل هى تلزم نفسها بعقد محدد المدة يجب تنفيذ بنوده فى هذه السنوات الخمس وستعمل على تنفيذه دون تراجع عنه.

تتصدى الوثيقة بوضوح لكافة المحاور التى تتولاها الدولة فلم ترجأ محورًا ما لأى سبب فتبدأ بمحور الحقوق المدنية والسياسية، محور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، محور حقوق الإنسان للمرأة والطفل وذوى الإعاقة والشباب وكبار السن، محور التثقيف وبناء القدرات فى مجال حقوق الإنسان ولم تكتف الاستراتيجية بتقديم هذه المحاور بشكل عام بل قدمتها تفصيلا وبتحديد دقيق يزيد من مفهوم هذا الالتزام من الدولة تجاه مواطنيها الذين صاغوا إرادة هذا العهد بينهم وبين دولتهم التى أرادوها على هذه الدرجة من الحداثة.

تقدم وثيقة "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" ذروة مفهوم الالتزام من الدولة القائم على الاعتراف والمصارحة ، الاعتراف بوجود بعض  القصور فى البنية التى تشملها هذه المحاور والمصارحة فى القيام بإصلاح هذا القصور، فالوثيقة لا ترسم صورة وردية للواقع أو تقول أنه لا يوجد أفضل مما كان، فالوثيقة فى كل بند من بنود محاورها الأربعة تقدم أولا نقاط القوة والفرص التى ستكون قاعدة أولية للبناء عليها، ثم الأهم تطرح بشفافية قوية التحديات التى تواجه عملية البناء ثم تعطينا الخطوات المستهدفة التى ستعمل على تحقيقها وفق الإطار الزمنى العام للوثيقة وهو الخمس سنوات.

لم تكتف وثيقة استراتيجية حقوق الإنسان بدرجة المصارحة حول التحديات بل هى قدمت كيف ظهرت هذه الوثيقة الفارقة للنور من أول الحوار حولها إلى الإعداد وصولا إلى الصياغة النهائية حتى نطلع جميعا بشفافية على إطار العمل الذى أنتج هذه الرؤية الاستراتيجية لمفهوم حقوق الإنسان والذى سنطبقه على مدار السنوات الخمس .

طاقة الالتزام والمصارحة والشفافية فى هذه الوثيقة كان منبعها أمرين أنها استراتيجية وطنية مصرية خالصة نابعة من هويتنا ومنظومة قيمنا المصرية، أو كما أوضح الرئيس عبد الفتاح السيسى هذه النقطة الأساسية فى كلمته فى فعاليات إطلاق استراتيجية حقوق الإنسان. "يهمني أن أؤكد مجددًا أن تلك الاستراتيجية الوطنية الأولى نابعة من فلسفة مصرية ذاتية تؤمن بأهمية تحقيق التكامل في عملية الارتقاء بالمجتمع، والتي لا يمكن أن تكتمل دون استراتيجية وطنية واضحة لحقوق الإنسان تعني بالتحديات والتعاطي معها مثل ما تراعي مبادئ وقيم المجتمع المصرى"

الأمر الثانى تشير إليه الوثيقة التى  تؤكد أن مصر تتقدم بخطى واثقة نحو بناء مستقبل يليق بمكانتها بين الأمم بطموحات شعبها ونتيجة ثورته، وأن هذه الثورة كان هدفها الإصلاح على كافة المستويات، وعندما تخرج هذه الوثيقة الحقوقية الاستراتجية أمام العالم وبها كل هذا الالتزام من الدولة تجاه مواطنيها والمصارحة والشفافية فهذا يؤكد أن الحراك الثورى للأمة المصرية نجح بامتياز وجماهير يونيو التى بنت دولتها المصرية الحديثة مازالت هى المعلم والمرجعية.

إيهاب فتحى