الجمعة 17 سبتمبر 2021

حوار بين عقلين (4)

مقالات10-9-2021 | 11:45

إذا كان الله قد قدر عليّ أعمالي فلماذا يحاسبني عليها؟

هذا سؤال شائع على ألسنة بعض الشباب المذبذب فى عقيدته وأفكاره، ويتم تناقله على وسائل التواصل الاجتماعى مع بعض الأسئلة الأخرى فى مسألة القدر، كمن يسأل: لماذا لم يخيرنى الله فى ميلادى وجنسى ولونى ووطنى؟ ولماذا يُكرهنى الله على فعل الشيء ثم يؤاخذنى عليه ؟ .

والجواب: لا شك أن كل هذه الأسئلة مشروعة، فالعقل السائل هو العقل الذى يصل إلى الحقيقة من أقرب الطرق، ولقد سُئل النبى صلى الله عليه وسلم عن الروح والأهلة واليتامى الخ.. ونزل القرآن الكريم بالإجابة الملهمة الشافية.

وبادئ ذي بدء لابد من كشف المغالطات فى الفهم لهذه المسائل حتى تتبين الحقيقة .

 فأفعالنا جميعاً سواء كانت خيراً أو شراً معلومة عند الله فى كتابه (والذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)، ولكنها ليست مقدرةً علينا بالإكراه !، هى مقدرة فى علم الله فقط ! ، كما تقدر أنت بعلمك أن ابنك سوف يرسب فى الامتحان المدرسى ، ثم يرسببالفعل !  فهل أكرهت ابنك على الرسوب؟ أم كان هذا تقديراً فى علمك بابنك ؟ والذى أصبح واقعاً بفعل ابنك ؟ ، فهناك علم الله تعالى بالأشياء ، وقد أحاط بكل شيء علماً ، وهناك صنع الإنسان الذى يحدد مصيره فى مساحة اختياره .

أما الكلام عن الحرية، وأن الإنسان لم يتم تخييره فى ميلاده وموطنه ،،، الخ فهو تصورٌ للحرية على غير معناها ! ، لأن الإنسان لا يملك الحرية المطلقة، التى بها يحدد لنفسه لون بشرته، وطول قامته، لأن الحرية المطلقة وهى حرية التصرف فى الكون هى ملك للهتعالى وحده ،، قال تعالى: "وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة " 68 : القصص.

ليس لأحد الخيرة فى الخلق، لأن الله هو الذى يخلق ما يشاء ويختار، وبالتالي: لن يحاسبك الله على لونك أو جنسك أو جنسيتك وصورتك!!

إن مجال المساءلة يوم القيامة، هو مجال التكليف !، والإنسان فى مجال التكليف حر !

وهذه هى المساحة التى نتكلم فيها.. أنت حر في أن تزكي نفسك وتكبت شهوتك وتلجم غضبك وتقاوم نفسك وتزجر نياتك الشريرة وتشجعميولك الخيرة.. أنت تستطيع أن تجود بمالك ونفسك .. أنت تستطيع أن تصدق وأن تكذب .. وتستطيع أن تكف يدك عن المال الحرام .. الخ

إنها الحرية النسبية وليست الحرية المطلقة

إن حرية التكليف حرية حقيقية نشعر بها جميعاً فى داخلنا ،  فنشعر بالمسئولية، والندم على الذنوب والأخطاء، نشعر فى كل لحظة أننا نوازن ونختار بين احتمالات كثيرة، بل إن وظيفة عقلنا الأولى هي الترجيح والاختيار بين البدائل  ،،،، أليس ذلك دليل واضح على حرية اختيارك فى مجال التكليف ؟! .

وأي إنسان قادر على التفريق بين الفعل القهرى الجبرى كدقات القلب، وضخ الدماء فى العروق  الخ،  وبين حركة الجسد وأعضائه كالكتابة والمشي الخ

الأفعال الأولى قهرية والثانية باختيارنا حتماً ،،،

ومما يؤكد هذه الحرية ما نشعر به من استحالة إكراه القلب على شيء لا يرضاه تحت أي ضغط.. فيمكنك أن تُكره امرأة بالتهديد والضرب على أن تخلع ثيابها ولكنك لا تستطيع بأي ضغط أو تهديد أن تجعلها تحبك من قلبها!!

ومعنى هذا أن االله أعتق قلوبنا من كل صنوف الإكراه والإجبار، وأنه فطرها حرة.. ولهذا جعل االله القلب والنية عمدة الأحكام، فالمؤمن الذي ينطق بعبارة الشرك والكفر تحت التهديد والتعذيب لا يحاسب على ذلك طالما أن قلبه من الداخل مطمئن بالإيمان ، وقد استثناه االله من المؤاخذة في قوله تعالى: } ِ(إلا َّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) 106 سورة النحل

وهناك خلط آخر في هذه المسألة، أن بعض الناس يفهم حرية الإنسان بانها علوٌ على المشيئة الإلهية، وانفراد بالأمر، فيتهم القائلين بالحرية بأنهم أشركوا باالله وجعلوا له أنداد ًا يأمرون كأمره، ويحكمون كحكمه، وهذا ما فهمته أنت أيضا ً .. فقلت بتعدد المشيئات .. وهو فهم خاطئ .. فالحرية الإنسانية لا تعلو على المشيئة الإلهية ..

الفرق بين رضا الله ومشيئة الله :

ولا ينبغي الخلط بين المفهومين !

 

إن الإنسان قد يفعل بحريته ما ينافي الرضا الإلهي

 

ولكنه محال أن يكون فى استطاعته ما ينافي المشيئة.. فالله أعطانا الحرية أن نعلو على رضاه "فنعصيه" ، ولكن لم يعط أحد ًا الحرية فيأن يعلو على مشيئته .. وهنا وجه آخر من وجوه نسبية الحرية الإنسانية!!.. وكل ما يحدث منا داخل في المشيئة الإلهية وضمنها، ونخالف الرضا الإلهي وجانب الشريعة .. وحريتنا كانت منحة إلهية وهبة منحها لنا الخالق باختياره .

إن مشيئتنا ضمن مشيئته، ومنحة منه، وهبة من كرمه وفضله، فهي ضمن إرادته

 وهناك أيضاً مغالطة أخرى وخلط بين المفاهيم ، أن بعض من تناولوا مسألة القضاء والقدر والتسيير والتخيير .. فهموا القضاء والقدر بأنه إكراه للإنسان على غير طبعه وطبيعته وهذا خطأ كبير !

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ٤: سورة الشعراء

والمعنى واضح .. أنه كان من الممكن أن نُكره الناس على الإيمان بالآيات الملزمة ، ولكننا لم نفعل .. لأنه ليس في سنتنا الإكراه   }ليس في سنة الله إكراه .. والقضاء والقدر لا يصح أن يفهم على أنه إكراه للناس على غير طبائعهم .. وإنما على العكس .. االله يقضي على كل إنسان من جنس نيته .. ويشاء له من جنس مشيئته ، ويريد له من جنس إرادته قضاء  وقدرا  ..ف على العبد النية، وعلى االله التمكين، إن خير ًا فخير، وإن شر ًا فشر.. والحرية الإنسانية ليست مقدار ًا ثابتا ً، ولكنها قدرة نسبية قابلة للزيادة .

الإنسان يستطيع أن يزيد من حريته بالعلم.. باختراع الوسائل والأدوات والمواصلات، استطاع الإنسان أن يطوي الأرض، ويهزم المسافات، ويخترق قيود الزمان والمكان.. وبدراسة قوانين البيئة استطاع أن يتحكم فيها ويسخرها لخدمته، وعرف كيف يهزم الحر والبرد والظلام، وبذلك يضاعف من حرياته في مجال الفعل .. العلم كان وسيلة إلى كسر القيود والأغلال وإطلاق الحرية ...والله المستعان