الجمعة 17 سبتمبر 2021

عصر ما بعد الفوضى.. إزالة آثار التعديات على الفن

مقالات9-9-2021 | 23:12

من مظاهر الفوضى الشاملة الممنهجة التى كانت تقوم الجماعات الظلامية على تنفيذها هدم الفن المصرى والتعدى عليه بالتشويه واستقطاب رموزه الفنية إلى الرجعية وأن يكونوا دعاة إلى التطرف والرجعية بدلا من أن يكونوا منارات للوعي. إن أهم ما يمثله الفن المصرى وبخاصة السينما والدراما هو التحضر وتنظيم الحياة وجعلها أكثر بلاغة أو ذات طبيعة رسائلية متبادلة، فالمجتمع الذى ليس فيه فنون هو أقرب إلى حالات الخرس والصمم وغياب القدرة على التعبير عن الذات وهو ما قد ينعكس على كافة المستويات والفئات، ويدعم الكبت المجتمعي. أما حضور الفن فهو ينظم طاقات البشر ومشاعرهم ويخلق حالات من البهجة ومحبة الحياة والإقبال عليها.

 

تعرض الفن المصرى إلى ردة وهجمة شرسة فى الثمانينيات والتسعينيات عبر فكرة النجوم المعتزلين والصاخبين باعتزالهم وإعلان ارتدادهم عن كل ما عاشوه من قبل فى حياة الفن والإبداع وبخاصة فى التمثيل، وقد كان ذلك متزامنا مع تشويه شامل لحياة الفنانين وتصويرها على أنها حياة يعمها الانحلال والانحراف الأخلاقى بكافة أشكاله، وفى هذه الحرب الشرسة صمدت نماذج بعينها وأعلنت بشكل فعلى وسلوكى إصرارها على محبة الفن وبرهنت على وعيها بأهمية الفن فى المجتمع، ومن هؤلاء النجوم الكبار فى الكتابة والتمثيل فؤاد المهندس ومحمود مرسى وعادل إمام ووحيد حامد وأسامة أنور عكاشة وسمير غانم ومحمود عبد العزيز ويحيى الفخرانى ونور الشريف وأحمد ذكى وإسعاد يونس وبخاصة فى أدوارها الإنتاجية وفى دورها بعد 30 يونيو مع شركة المتحدة فى برنامجها العظيم صاحبة السعادة الذى كان ينقب عن الجميل من الذكريات التى شكلت وجدان المصريين وإحساسهم بالجمال فى نوع من الافتخار بالفن وليس الشعور بالذنب، وغير هؤلاء النجوم كثيرون، وكان ذلك الصمود فى تلك الحرب الخفية والهجمة الشرسة عبر سلوكهم ومنهجهم فى التعامل مع الفن بدأب وإصرار وإبداع متجدد بأن يقدموا أعمالا مهمة وأدوارا يدركون ضرورتها، وظلوا على عهدهم من إثبات أن حياة الفنان الكبير هى بالأساس تقوم على التنظيم والجهد والثقافة والقراءة.

 

لقد تمكن الرجعيون والظلاميون من الفن عبر خلق حالة من البلبلة والاضطراب لدى بعض النجوم المذبذبين مستغلين مشاعرهم الدينية وعاطفتهم الدينية التى هى بالأساس لا تتعارض مع الفن على الإطلاق، وأثبت على سبيل المثال الفنان العظيم سمير غانم أن حياة الفن لا تتعارض مع الزواج والأسرة السعيدة المترابطة ولا يتعارض مع الاستقرار والأخلاقيات، بل إن الفن بالأساس هو منبع للجمال الإنسانى والقيم العظيمة وأنه بالأساس جوهرى فيما يخص حب الحياة والتنظيم والعقل والعلم والتطور أو تفادى الجمود، وقد كان كثيرون من نجوم مصر الصامدين فى حرب الرجعية مهتمين دائما بالجانب العلمى والمعرفى ودراسة الفن وقراءة الروايات والاطلاع على الأدب وكان كثيرون منهم مثقفين إلى أبعد حد مثل عبد العزيز مخيون وداوود عبد السيد ونبيل الحلفاوى ومحمود الجندى وغيرهم، والحقيقة أن كل واحد من هؤلاء النجوم البارزين الصامدين يحتاج إلى احتفاء خاص يبين دوره وجهوده العملية فى إبراز قيمة الفن فى حياتنا، وأن يثبت بالممارسة العملية أيضا قدر إيمانه برسالة الفن فى المجتمع وأنه بالأساس اقتصاد وتشكيل للوعى وتنوير وطاقة جمالية تمد الناس بالعديد من القيم المهمة ويعيش الناس على إيقاعه.

 

فى الموسيقى كانت هناك مثلا محاولات دائبة وقوية وشرسة إلى جعل موسيقار الأجيال العظيم محمد عبد الوهاب يعيش هذه الحالة من الذبذبة والاضطراب الفكرى وأن يعلن ارتداده عن طريق الفن والموسيقى ويتجلى بعض هذه المحاولات مثلا فى حوار لمصطفى محمود مع موسيقار الأجيال حين سأله فى لقاء تلفزيونى عما سوف يلاقى به ربه. وكان موسيقار الأجيال عبد الوهاب العظيم مؤمنا بدوره واثقا إلى أقصى درجة فى مسيرته وأنه قدم للناس الخير والجمال وأثرى حياتهم بالموسيقى والكلمة وساعد على أن يسمو وجدانهم وحسهم بالفن ويرتقى بذوقهم وكلها أمور تصنع الحضارة وتشكل الإنسان المتحضر، فالموسيقى مثلا لها أدوار تنظيمية مهمة للعقل لأنها بالأساس تقوم على بنية نظامية معقدة وتمارس دورها على عقل المتلقى وذهنه بشكل غير محسوس، المهم أن موسيقار الأجيال كان فى إجابته على مصطفى محمود أستاذا يقدم درسا عمليا لكل المشتغلين بالفن والمؤمنين به، يتسق هذا الدرس مع شخصيته العظيمة ودوره الفنى الممتد عبر سبعة عقود وأكثر من الإبداع الغنائى والموسيقى المتفرد الذى نقل الموسيقى العربية نقلة مختلفة تماما وجعلها ذات مستوى عالمي، ومن تلامذته العظماء الذين أدوا هذا الدور كذلك فى الصمود وعاشوا للفن وبالفن وأثروا حياتنا ولم يتذبذب يقينهم بالفن أبدا الموسيقار العظيم عمار الشريعى وكذلك العظيم عمر خيرت سليل عائلة الفن والموسيقى وابن أخ واحد من أعظم المعماريين والموسيقيين أبو بكر خيرت الذين يستحقوا أن تكون فى موادنا الدراسية دروسا عنهم تبرز أدوارهم وتدرس حياتهم وعطاءهم.

 

أسماء كثيرة عظيمة من الفنانين الكبار كان هناك اشتغال على أخونتها وجعلها تعلن ردتها وتوبتها وكأنهم عاشوا فى معاص وآثام تغرق حياتهم، فى حين أنهم بالأساس قدموا دروسا فى العطاء والعمل وكانوا على أقصى درجة من التنظيم وكان كثيرون منهم قريبين من كبار الأدباء والفلاسفة وصاحبوهم والتف بعضهم حول توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وعاش بعضهم فى مقهى ريش حياة ثقافية وفكرية واتسموا بالطابع العلمى والبحثى والدراسة مثل وحيد حامد وأسامة أنور عكاشة الذى كان كثير القراءة فى التاريخ العربى القديم وتراثنا بكل كتبه وأنواعه. والأمثلة كثيرة جدا، والحقيقة أن بعض النماذج الإخوانية التى اخترقوا بها الصحافة أسهمت فى تصوير الشكل الفضائحى لحياة الفنانين وأسهموا فى لعبة التشويه هذه، وظل هذا التعدى على الفن ممتدا بتصيد الأخبار المغلوطة ونشر الأكاذيب ولم نجد مثلا تحقيقات صحفية عن مكتبات الفنانين والممثلين أو ما الذى يقرأه الممثلون وما تحتويه مكتباتهم، ومثال ذلك مكتبة أحمد ذكى أو مكتبة حسن كامى أو مكتبة جميل راتب وغيرهم من الممثلين الكبار، فتقريبا لا يوجد ممثل من النجوم الكبار العظام إلا ولديه مكتبة ضخمة لم تحاول الصحافة الاقتراب منها أو رصد ما فيها وإبراز الجانب الإنسانى والثقافة (الثقيلة) لدى هؤلاء الممثلين، أعنى بالثقيلة الجادة أو ما هو نقيض الثقافة الخفيفة أو السطحية. فليس صحيحا أن هؤلاء المشتغلين بالفن لم يقرأوا غير المجلات والصحف وغير صحيح أنهم لم يكونوا يهتمون إلا بشكلهم ومظهرهم وملابسهم، فكلها مغالطات ظلت راسخة ولم تكن فى صف الفن، ولم يكن هناك أدوار إيجابية حقيقية للصحافة والإعلام مع الأسف للوقوف بجانب الفن ما عدا بعض مقالات الرأى المحدودة لمفكرين ومثقفين كانوا يدركون هذا الخطر وهذه الهجمة على الفن، وأتصور أنه من المهم مراجعة ما كان بدقة والاستفادة من دروس هذه الحرب التى مازالت مستمرة حتى الآن والعجيب أننا لم نهتد إلى استراتيجية شاملة للتعامل معهم، وأن الصمود لم يكن إلا حالة فردية، والتصدى الجماعى الوحيد يتمثل فى دور شركة المتحدة للإعلام بأدوارها العظيمة فى قنوات DMC،  ON TVفى الاعتناء بهذه النماذج العظيمة وتكريمها وإبراز عظمة الفن والاحتفاء بالذاكرة ويتمثل هذا فى عدد من برامجهم والمحتوى الذى يقدمونه وبخاصة عنايتهم بعائلة سمير غانم بما تمثله من محبة والفن وروحه، وكذلك استفادتها من وعى الفنانة العظيمة إسعاد يونس، وكنت أتمنى أن تكون خطتنا فى التصدى لهذه الهجمات الرجعية على الفن خطة جماعية وشاملة متمثلة فى وزارة الثقافة وفى حالة شاملة من الوعى عند كافة المؤسسات المعنية.