الجمعة 17 سبتمبر 2021

ثورتا مصر والعراق.. الديمقراطية ملاذ للشعوب الحرة

مقالات9-9-2021 | 20:55

فى تاريخ الشعوب الحرة نضالات لن تجد فيها سوى البحث عن الذات، أو قل صراحة الحرية، وهى حق إنسانى طبيعى تقره المواثيق الدولية ولا يغيب عن كافة الدساتير.

فى منطقة الشرق الأوسط وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، شهدت بلدانها ثورات، أو حركات عسكرية تضامنت مع مطالب الشعوب، مثلما كانت يوليو 1952 فى مصر نموذجا رائعا لحالة داعمة للتحرر ضد الاستعمار والطغيان، وكانت لها من المباديء ما تقضى به على واقع مرفوض وتبنى به مستقبلا عظيما لشعب مصر، وتدعم نضالات الشعوب الأخرى.

وفى العراق؛ قبل ستين عاما وتحديدا فى الحادى عشر من سبتمبر عام 1961 انطلقت شرارة ثورة من جبال كردستان العراق لأجل الحرية والديمقراطية، كانت مدعومة من أبناء الشعب العراقى باختلاف انتماءاته القومية والدينية والمذهبية، ومعها امتزجت الدماء الكُردية بالدم العربى والقوميات الأخرى، ودم المسيحى بدم المسلم، لأجل بناء عراق ديمقراطي.

 

هكذا تكون الثورة ممثلة لكافة المكونات وإلا كانت انتفاضة أو حركة فئوية محدودة التأثير لا حضور لها فى سطور التاريخ إلا بكلمات عابرة، وهذا وجه الشبه بين يوليو فى مصر وأيلول فى العراق.

فى مصر رفع الشعب الضباط الأحرار على الأعناق لإيمانهم بما نادوا به وسعوا إليه واجتهدوا لتنفيذه، وفى العراق آمن الشعب بقائد الثورة الخالد مصطفى بارزانى وشعارها الأبرز لعراق ديمقراطى وحكم ذاتى لكردستان، وهو ما تبناه الحزب الديمقراطى الكردستانى يوم تأسيسه فى 16 من أغسطس 1946.

بناء حياة ديمقراطية سليمة أحد أهداف يوليو فى مصر، ودون الديمقراطية لا يمكن معالجة أية مشكلة فى العراق كما أكد بارزانى الذى تحولت المناطق المحررة من كُردستان مع نضالاته ومن معه إلى ملاذ آمن لجميع الثوريين الذين كانوا يعادون التصرفات اللاإنسانية للحكومات المتعاقبة، ومن ضمنهم الأشقاء العرب أنفسهم، وكأن المشهد مستنسخا من القاهرة وفيه الشعب بطبقاته المطحونة يلتف حول زعامة جديدة وطنية حقا.

 

القتال لم يكن يوما من الأيام خيار الكرد والحزب الديمقراطى بل أجبروا على القيام بالثورة دفاعا عن الشعب بعد انحراف بعض قادة ثورة 14 تموز/ يوليو عن مسارها، ولا يزال مبدأ حل الخلافات بطرق سلمية ديمقراطية قائما، وفى أم الدنيا ستجد إنجازات الضباط الأحرار فى إبعاد فاروق الأول وإسقاط الملكية بمشهد سلمى تاريخي، تلته إجراءات توقيع إتفاقية الجلاء وإبعاد المحتل بعد 74 سنة من الاستعمار.

أيلول كثورة شاملة ضمت فى صفوفها كل الشرائح، لأن أهدافها كانت معلومة المعاني، وخطابها السياسى واضح ومحدد المعالم ويعبر عن الألم والأمل وإرادة الشعب، مع إيمان القائد الخالد مصطفى البارزانى وقيادة الحزب الديمقراطى بأن الديمقراطية للعراق هى الطريق الوحيد والصحيح لضمان الحقوق المشروعة لشعب كردستان والمكونات الأخرى للعراق.

 

وفى القاهرة؛ نجد مشروعات الإصلاح وإعادة توزيع الثروة وبناء المصانع والخطط الخمسية وإتاحة التعليم المجانى كحق أصيل للمواطن وتعزيز وجود جيش قوى ومؤسسات دولة راسخة، خطوات عززت بقاء مصر قوية حتى الآن تكملها جهود كل القادة الذين تولوا الحكم تباعا وساروا بالبلد فى إتجاه وحدة الدولة واستقلالها وقرارها.

 

الثورة فى العراق كانت كردستانية المنبع عراقية الطابع، دعمتها القوى المحبة للسلام وحقوق القوميات وأولها مصر ورئيسها خالد الذكر جمال عبد الناصر وهو أول زعيم استقبل مصطفى بارزانى فى القاهرة فى 5 أكتوبر 1958 وأنشأ علاقة متواصلة معه، بل وناهض الحرب التى شنت على الكرد وأكد أن لهم حقوقاً لغوية وثقافية وقومية يتعين أن يتمتعوا بها، واليوم أيضا مصر حكومة وشعبا تؤكد على لسان رئيسها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى على حق العراق فى الوحدة والاستقرار والحقوق القومية الدستورية للشعب الكردى فى ظل حكم فيدرالي، وهو ما ينادى به الزعيم الكردى مسعود بارزانى مؤكدا على سهولة حل الخلافات الداخلية واستقلال القرار الوطني.

 

أوجه الشبه كبيرة بين يوليو فى مصر وأيلول فى العراق، كلاهما ثورة يدرك الشعب أسبابها ويعلم أهدافها النبيلة ويدرك سبل الوصول إليها، وكانت قيادة كل منهما حكيمة واعية حققت المراد لشعب عظيم تدرك قيمة تحركه ومناداته بالحرية والديمقراطية، ربما توالت العقود والسنون وظلت المقدمات متشابهة والنتائج متباينة بين الثورتين لظروف تاريخية خاصة بكل حالة، لكن يظل التاريخ واقفا أمام ثورتين عظيمين يمتد أثرهما فى نفوس الشعبين، وعلى علاقتهما أيضا.ش