الجمعة 17 سبتمبر 2021

عشاق المسرح (4)

مقالات8-9-2021 | 14:33

في تاريخ مسرحنا ستجد للمسرح عشاق كثر ضحوا بأعمارهم – دون مبالغة – لتأسيس هذا الفن في بيئتنا العربية ، كان هذا مشروعهم ونجح رغم عثرات البداية والتأسيس التي لو نظرنا إليها سريعا بعد قرن ونصف من الزمان يمكننا تلخيصها في عثرات مادية لإدارة الانتاج والاستمرار به وعثرات اجتماعية في قبول المجتمع لفن جديد والاختلاط بين الممثلين والممثلات والمتفرجين والمتفرجات وهناك الأهم أي العثرات الفنية ومنها تقديم فن أجنبي على الذائقة الجماعية ومراحل قراءة النصوص وترجمتها ثم إعدادها الذي يخضع لظروف الفرقة التي تتلخص في السببين السابقين المال والفكر الاجتماعي الذي كان قد انغلق حينها في ظل الحكم العثماني لبلادنا .

إن القراءة حول تاريخ هذه الحقب تؤكد احترامنا لهؤلاء الرواد العشاق وخاصة أنهم كانوا من أجناس وديانات بينهم المصري والشامي والأرمني والمغربي  من أبناء المدن الساحلية طرابلس ودمشق والإسكندرية ، جمعهم حب المسرح كهواة يعملون في الموانئ بالتجارة  ثم يتسامرون بالمسرح مساء . وكان لهذا السمر ثمنا باهظا غير ماوفروه لإنتاج المسرح، ثمنا أغلى أي الاضطهاد والتنكيل بتجارتهم وأرزاقهم  والنفي خارج أوطانهم وغيرها كثير ولعل من يرجع لكتاب د .سيد على إسماعيل (المسرح في القرن التاسع عشر) يجد وقائع كفاح روادنا تدعو للفخر والاعتزاز بهم وبالمهنة الخالدة .

عزيز عيد - ويكيبيديا

 وكنموذج لهم ويعد إبنا شرعيا لهم حيث ولد بمدينة الإسكندرية عام 1884، - وكان يجب علينا الاحتفاء به في ذكراه ال 79 التي مرت في شهر أغسطس هذا العام -  الاسكندرية تلك المدينة التي احتضنت كل عشاق المسرح المؤسسين بعد النفي والترحال ، أتوقف عند رائد أهمل طويلا فلم يكرم في مهرجاناتنا ولم يحفظ اسمه على مبنى أو مسرح رغم أنه عاش للمسرح بكل معنى الكلمة ، انه الراحل عزيز عيد ، المسرحي الذي بذل حياته وشق طريقه بالثقافة والعلم والجهد إلى حد الهوس ، شارك زملاءه تأسس فرق مسرحية أشهرها فرقة " جورج أبيض" و" رمسيس " مع يوسف وهبي ثم انفصل وأسس فرقة- في سابقة تاريخية- حملت اسم زوجته التي اكتشفها ودربها على فن التمثيل  " فرقة فاطمة رشدي " ، وترجم نصوصا عن الفرنسية والإنجليزية ، زرع علم سيعرف فيما بعد هو "الدراما تورجيا "  أي الإعداد الدرامي ، أسس فن الإخراج وفن تدريب الممثل  في مسرحنا عبر السفر للخارج والمشاهدة والاطلاع ، ذكر ذلك تلاميذه في مذكراتهم فتوح نشاطي روزا اليوسف وفاطمة رشدي وزينب صدقي إلخ .

 وامتدت مدرسة عزيز عيد لمجايليه وتلاميذه منهم ذكي طليمات الذي سار به الطموح لإنشاء معهد لدراسة التمثيل والمسرح وذلك حديث قادم .

   سار على درب العاشق المؤسس لعلم التمثيل والإخراج عزيز عيد كثر منهم عاشق عاصرناه وأحببناه جميعا وخرج أثره إلى اشقائنا العرب  دكتورعبد الرحمن عرنوس الذي أيضا لم يكرم بما يليق به ، لكن مدرسته قائمة ومتفرعه ، تطوير فن الممثل ورفع قدراته لأداء كل فنون العرض من رقص وأداء جسدي وغناء واهتمام باللياقة البدنية ، فقاد منهج أو نهج لتطوير حرفيات المسرح وفنون العرض ارتبط باسم عرنوس ، وهناك جهد هام في تدريب وتنشيط حرفيات التمثيل للدكتور نبيل منيب . تفرع عنهما أساتذة في تدريب شباب ونجوم يلمعون في الشاشات وعلى المسرح في مقدمتهم محمد عبد الهادي وعلى خليفة وأحمد كمال وأحمد مختار و قد جمعوا مع التدريب والتدريس قيامهم بالتمثيل والإخراج فلا أنسى مسرحية (ماراصاد ) اخراج محمد عبد الهادي .

  وهناك عشاق للمسرح خلق كل منهم مشروعه ودأب في العمل عليه  بصيغ فنية وجمالية أضافت للمسرح المصري فلن ننسى الراحل صالح سعد  أخرج وترجم وأعد ومثل في عشرات المسرحيات ، حاول الربط بين صيغ المسرح الحديثة وتقاليد المسرح الجماهيري أو الشعبي وأطلق عليها " مسرح السرداق " وقدم عروضا مسرحية باقية في الذاكرة عن نفسي لاأنسى "مشهد من الشارع " .

  وأصل دكتور صالح جهده الطموح عبر بيانات نظرية جمعت بين الخبرة في ربوع مصر وبين الدراسة في الاتحاد السوفيتي والحقيقة خسرناه خسارة فادحة في سبتمبر الدامي ، لكن العمل الحقيقي يبقى .

من يبنسى المحب العاشق المخرج أحمد اسماعيل ومسرح الجرن تلك التجربة الهامة التي أسسها في قريته واستمرت سنوات بمحبة أهله وناسه ومزج بين فن المسرح وعاداتهم وتقاليدهم فعاشت وأثمرت شباب وشابات أحبوا المسرح وأحيوه في بلدان أخرى وفي الجامعة وبيوت وقصور الثقافة وقد سجل أحمد اسماعيل التجربة في كتابة الهام ( مسرح الجرن ) لتظل لأجيال قادمة .

  وثمة محب أخر هو المخرج حسن الجريتلي مؤسس "فرقة الورشة" وهي الفرقة التي اتجهت للمسرح الغربي وقدمته برؤى جديدة فمن ينسى (نوبة صحيان ) (داير داير) و(غزل الأعمار ) وغيرها مما قدمت الورشة من مسرحيات مبهجة وليالي تحتفل بالحكي والسرد بعدة طرق تعرفها الذائقة المصرية ، فجمعت تجربة الورشة بين الغربي والمصري في خليط مازال فريدا لم يكرره أحد .

 والعشاق كثر فقام انتصار عبد الفتاح يقوده طموح بإعادة صيافة علاقات جديدة بين المسرح والموسيقى بمعنى أن البناء الموسيقى متداخل مع البناء الدرامي ومتوحد به وليس مكملا له ، فشاهدنا عروض مسرحية ممتعة حازت اعجاب العالم حين عرضت بمصر في مهرجان المسرح التجريبي ،من ينسى العرض الفاتن (الدربكة)  أو(مخدة الكحل ) وجمالها .

ومن العشاق الكاتب والمخرج محمود أبو دومة مؤسس مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية  ومؤسس مهرجانات للمسرح وفنون العرض في تلك المدينة التي منحت الفن في مصر أعلامه ونجومه في كل الفنون من سيد درويش البحروعزبز عيد وسيف وانلي ووووو إلى اليوم .