الجمعة 17 سبتمبر 2021

الحبل «السُّرِّى» بين الإخوان وطالبان

مقالات7-9-2021 | 16:36

لا يخفى على أحد الفخ السياسى الكبير من صنع الاستخبارات الأمريكية بإعلان الانسحاب التدريجى  للقوات الأمريكية وقوات حلف الناتو من أفغانستان فى سبتمبر2021، وسواء كان هذا الانسحاب لأن الولايات المتحدة لديها المهام الأكبر والأولى بمواردها، حسب ما هو معلَن من البيت الأبيض أو لتأجيج الصراع فى منطقة جنوب آسيا لتصفية حساباتها مع الصين وروسيا وإيران إلا أن المحصلة هو إعطاء قُبلة الحياة لجسد الإسلام السياسى بجناحه الجهادى ليظهر من جديد كأداة ترهيب.

 

فبعد أن صنْفت أمريكا طالبان حركة إرهابية نجدها اليوم  تقدمها للعالم ككيان سياسى من خلال إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول، وهى نفس منهجية الولايات المتحدة الأمريكية مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث قدمتها ودعمتها ورفضت تصنيفها بالإرهابية حتى بعد أفعالها فى مصر ومنطقة الشرق الأوسط.

وها نحن اليوم نجد الإخوان وطالبان وجهًا لوجه على أرض واحدة بعد صراع تاريخى متأرجح  على السلطة؛ فازت فيه كابول فى سبتمبر96، واحتمت حينئذ الجماعة بالولايات المتحدة ضد طالبان حتى إسقاطها عام 2001؟

وباستعراض تاريخ الجماعة مع الأفغان نجده تاريخًا طويلًا، بدأ باستقطاب هارون المجددى مندوب الهيئة العربية وسفير أفغانستان فى القاهرة واستقباله فى العاصمة عام 1948 مُنضمًا إلى قسم الاتصال بالعالم الإسلامى الذى دشنه حسن البنا عام 1944، وبدأ الدور القوى لتجنيد شباب الأفغان الوافد للدراسة فى الأزهر نذكر منهم "برهان الدين ربانى، عبد رب الرسول سياف، وقلب الدين حكمتيار" حيث كانوا أدوات نشر الفكر الإخوانى بين طلاب الجامعات بقيامهم بتأسيس حركة "الشباب المسلم" وتمت ملاحقتهم أمنيًا من حكومة داوود خان.

وكعادة الجماعة فى تصيد الفرص؛ كان لها دور كبير فى دعم وتمويل المقاتلين الأفغان عند قيام الحرب الأفغانية -السوفييتية  (٧٩-٨٩) على مرأى ومسمع من الولايات المتحدة الأمريكية، وليس أدل على ذلك من أن المسئول عن إدارة ملف الدعم الإخوانى للمقاتلين كان كمال السنانيرى- زوج شقيقة سيد قطب- ومن بعده حمل راية هذا الدعم عبدالمنعم أبو الفتوح وكمال الهلباوى وأحمد الملط، ومعهم القيادى الإخوانى الفلسطينى عبدالله عزام، حيث تمكنوا من جمع تبرعات من أوروبا والولايات الأمريكية من أجل دعم المقاتلين الأفغان، حتى سقوط طالبان عام 2001 حيث تصدر الإخوان المشهد السياسى بتغلغلهم فى مفاصل مؤسسات الدولة الثقافية والفكرية والاجتماعية خلال حكم  الرئيس (حامد كرازى) بالإضافة لسيطرتهم على جهاز المخابرات المركزية واعتلاء منصب رئيس أركان الجيش الأفغانى مستخدمين قنوات فضائية أفغانية كمنصات لأبواقهم مثل قناة "الإصلاح الأفغانية" وإذاعة "صوت الإصلاح".

ويأتى السؤال الهام، كيف ستسير العلاقة بين الحركتين على أرض أفغانستان الفترة القادمة؟ وكيف سيستفيد أبناء البنا المُطاردين فى البلدان من سقوط كابول فى يد طالبان؟ والإجابة المتوقعة أن الجماعتين يملكان نفس المُخططْ التنظيمى والفكرى من أسلمة المجتمع والتوق لكرسى الحكم، وأن طالبان كجناح عسكرى لا يختلف كثيرًا عن الإخوان بيد أن تلك الأخيرة هى الأضعف الآن فقد تهاوت وتلقت أقوى سقوط لها منذ عام ١٩٢٨، وتلقت الصفعة الأكبر من تركيا بضرورة إيقاف أبواق الهجوم من أراضيها على مصر.

 لذا تعتبر الجماعة وجود طالبان بمثابة رشفة مياه فى قيظ صحراء؛ حيث يمنحها الأمل بالعودة للحياة بإيجاد مأوى لعناصرها التى غادرت تركيا وقطر إلى ماليزيا وأفغانستان وبريطانيا، كما يعد صعود طالبان فى مخطط الجماعة بارقة الأمل الأخيرة التى تعكس من وجهة نظر أرباب الإسلام السياسى كون التنظيمات عُرقلت فقط  مؤقتًا ولم تمْت، ومن ثَمْ نضمن العودة لتلك التنظيمات مُجددًا بكل عناصرها المُطاردة حتى لو اكتفت الجماعة مؤقتًا بدورها الدينى والثقافى والاقتصادى- حيث تمتلك أغلب المشروعات الاقتصادية على أرض أفغانستان-  حتى تتحين الفُرصة وتنقض على الحكم.

والسؤال الذى يدور فى أروقة السياسة الآن، هل ستتيح لها طالبان فُسحة من الدعم ومساحة تحرك وبسط سيطرة -مُعنونة إخوانيًا- أكبر مما سبق أم سينقطع الحبل السرى عن الجماعة وهو ما يعلن موتها للأبد؟! والإجابة قادمة.