الجمعة 24 سبتمبر 2021

العلمين من قُبح الألغام إلى وقع الأنغام

مقالات31-7-2021 | 11:52

تعد قضية الألغام الأرضية هي إحدى قضايا حرب الإبادة عن بُعد التي خلفها الاستعمار من خلال الحربين العالميتين بكل وحشية وبلا رادع في العديد من مختلف دول العالم فيما يصل إلى حوالي 70 دولة منها مصر، وإثيوبيا، وبورندي، والصومال، وموزمبيق، وجنوب أفريقيا، وأنجولا، وناميبيا، وأفغانستان، وأذربيجان، والبوسنة والهرسك.   

وقد عانت مصر على مدار ما يقرب من الثمانين عاما من آثار تلك الجرائم التي هي جرائم حرب فعلية مكتملة الأركان، حيث تم اجتزاء المنطقة الساحلية الغربية من خريطة مصر بما فيها بعض أجزاء من الصحراء الغربية، نتيجة نشوب الحرب العالمية الثانية واستخدام بعض الأراضي المصرية باعتبارها كانت واقعة تحت وطأة الاستعمارين العثماني والإنجليزي (وهما من دول التحالف)، فكانت معركة العلمين الأولى التي وقعت بالقرب من العلمين بين الجيش الثامن البريطاني وبين قوات المحور في يوليو 1942، والثانية في أكتوبر من نفس العام على بعد 90 كم غرب مدينة الإسكندرية، والتي شهدت انتصاراً حاسماً لقوات الحلفاء بقيادة الجيش البريطاني أيضاً.

ومن جانبه قام القائد الألماني/ إيرفن رومل (من قوات دول المحور) بزراعة خط المواجهة بينه وبين القوات البريطانية بما أسماه "حدائق الشيطان" وهي حقول ألغام وصفت بأنها غير عادية زرعت في باطن الأرض رأسيا على امتداد ثلاث طبقات بحيث إذا تمت إزالة اللغم الأول ينفجر الثاني وإذا أزيل الثاني انفجر الثالث‏، وتم استعمال جميع أنواع الألغام المعروفة عالميا وقتها في هذه الحقول.

ويمكن القول بأن الحرب العالمية الثانية في منطقة العلمين جنوب الساحل الشمالي حتى حدود مصر الغربية، قد خلّفت ما يقرب من 17.5 مليون لغم، تحتل مساحة تزيد على ربع مليون فدان صالحة للزراعة، في حين خلّفت الحروب المصرية الإسرائيلية ما يقرب من 5.5 مليون لغم في سيناء والصحراء الشرقية، وحسب الإحصاءات الرسمية كان يوجد في مصر حتى عام 2017 نحو 21.8 مليون لغم، بعدما كان عددها 23 مليون لغم، وذلك بعد نجاح القوات المسلحة المصرية منذ عام 1995 في إزالة ما يقرب من 1.2 مليون لغم.

وكان من أهم مشكلات وعوائق إزالة الألغام في مصر، هو تعدد أنواعها المضادة للأفراد والدبابات التي زرعتها كل من (قوات الحلفاء والمحور) في صحراء مصر الغربية خلال الحرب العالمية الثانية، وتحركها من أماكنها بسبب الكثبان الرملية، والتغيرات المناخية على مدى نصف قرن، إضافة إلى المخاطر الناتجة عن زيادة حساسية انفجار الألغام، بسبب تقادمها أو بسبب العوامل الجوية، مع عدم توافر معدات حديثة متقدمة تكنولوجياً لاستخدامها في عملية إزالة الألغام، وكذا التكلفة المالية المرتفعة التي تحتاج إليها عمليات الإزالة، خصوصاً مع عدم إدراج مصر على خريطة العمل الدولية لمكافحة الألغام.

وبناءً عليه كانت أكثر الخسائر فداحة التي لحقت بمصر جراء عدم إزالة الألغام لسنين، هو تعطيل زراعة مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة في الصحراء الغربية، رغم توافر المياه اللازمة لها في مناطق مثل الحمام والعلمين، بجانب تعطيل إقامة مشروعات التنمية في الساحل الشمالي وبعض مناطق مرسى مطروح، بالإضافة إلى تعطيل مشروعات منخفض القطارة كأحد المشروعات العملاقة لتوليد الطاقة بسبب اعتراض الألغام طريق القناة، بجانب اعتراض عمليات التنقيب عن البترول.

إلا أنه ونتيجة إدراك القيادة السياسية المصرية منذ تولي مسؤولية البلاد أهمية تلك البقعة الاستراتيجية من الأرض المصرية باعتبارها البوابة الغربية للحدود مع الشقيقة ليبيا، وكذا ما تمثله من موقعاً استراتيجياً على ساحل البحر المتوسط وكذا عمق الصحراء الغربية بما تحمله من ثروات، فقامت باتخاذ كل الإجراءات اللازمة من خلال تكليف القوات المسلحة بالمضي قدماً في إزالة الألغام الأرضية، تمهيداً لجعلها بوابة مصر الغربية على أفريقياـ

وبالفعل احتفلت مصر عام 2017 بالانتهاء من إزالة الألغام والأجسام المتفجرة من مساحة تصل إلى حوالي 32 ألف فدان، منها 3050 فداناً تستخدم كمشروعات سكنية وعمرانية في مدينة العلمين الجديدة، والمساحة الباقية على جانبي ترعة الحمام تم استغلالها لأغراض الزراعة والتعدين من منطقة الساحل الشمالي الغربي.

وتمت عملية إعادة إعمار وبناء مدينة العلمين على مدار الأربعة سنوات الماضية في عمل دؤوب وجهد عظيم على مدار الساعة نتج عنه الإعلان عن مدينة العلمين الجديدة باعتبارها إحدى مدن الجيل الرابع، والتي تشهد نسبة مشروعات غير مسبوقة، جذبت إليها العديد من الشركات العالمية للاستثمار بها.

مدينة العلمين التي غيرت خريطة الساحل الشمالي بأكمله وفق المفهوم الذي أنشئ على أساسه، فهي معدة لتكون مدينة سكنية تستقطب المواطنين طوال العام، وليس موسم الصيف فقط كما هو معتاد، وتبلغ المساحة الإجمالية للمدينة 48 ألف فدان ومن المخطط لها أن تستوعب أكثر من 3 ملايين نسمة، وتتكون المرحلة الأولى من قطاعين أساسيين بمساحة نحو 8 آلاف فدان، وهما القطاع الساحلي، ويشمل قطاع المركز السياحي العالمي، والقطاع الأثري، والحضري.

يتكون القطاع الساحلي بالمدينة من عدة مناطق وهي: منطقة بحيرة العلمين (حي الفنادق)، ومركز المدينة، والحى السكنى المتميز، وحي حدائق العلمين، مرسى الفنارة ومركز المؤتمرات، ومنتجع خاص، والمنطقة الترفيهية، والمركز الثقافي، والإسكان السياحي، وحي مساكن البحيرة، ومنطقة أرض المعارض، ومنطقة الفنادق العالمية التي تضاهي أعظم أبراج الدول المتقدمة، حيث تبلغ قيمة الاستثمارات بالمدينة عشرات المليارات، ويبلغ إجمالي مساحة الفنادق 296 فداناً، يبلغ عدد الغرف الفندقية 15500 غرفة.

كما ينفذ أيضاً على أكثر من مرحلة مجموعة مشروعات أخرى، المرحلة الأولى 400 فدان تضم مراكز تجارية، ومنافذ بيع، ومعارض، وملاهي، ومجمع سينمات ومسارح، ونوادي رياضية، وخدمات إدارية، كما ينفذ بمدينة العلمين الجديدة محطة تحلية مياه بطاقة 150 ألف متر 3 يوميًا تعمل بالطاقة الشمسية.. ويوجد بها المركز الطبي العالمي للاستشفاء والعلاج الطبيعي على مساحة قرابة 45 فدانًا.

كما يوجد بالمدينة 10 آلاف وحدة إسكان اجتماعي، ومن المقرر خلال الفترة القريبة القادمة افتتاح المرحلة الأولى من الشاطئ العام بالمدينة بطول 7 كم من إجمالي 14 كم يتم تنفيذ المرحلة الثانية منه العام القادم.

وسيتم تنفيذ قطار مكهرب فائق السرعة تصل سرعته إلى ٢٥٠ك/ساعة لربط مدينة 6 أكتوبر بمدينة العلمين بطول نحو221 كم بموازاة طريق وادي النطرون/العلمين، وتفريعة لمدينة الإسكندرية مروراً بمدينة ومطار برج العرب بطول 99 كم، وأيضا لربط مدينة 6 أكتوبر بمدينة العلمين بطول نحو 244 كم مرورًا بمدينة برج العرب وتفريعة لمدينة الإسكندرية بطول نحو 46 كم.

إن من أهم الأهداف الاستراتيجية للتنمية الإقليمية للساحل الشمالي الغربي هو تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع لا يقل عن ١٢٪ في السنة، وتوطين ما لا يقل عن ٥ ملايين نسمة، وتوفير نحو ١,٥ مليون فرصة عمل، بالإضافة إلى دمج المنطقة في الاقتصاد القومي والعالمي عن طريق زيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من ٥٪ حاليًا إلى ٧٪.

ولا أدل على سرعة تحقيق المعجزات بعظمة المكان برغم تحديات الزمان من أحد الأفراح الكبيرة التي أقيمت مؤخرا في العلمين مما يجعل الأنظار تتجه إلى المدينة الجديدة.

لا أعلم الفرق لغوياً بين مصطلحات كالإعمار والمعمار والعمران والتعمير، غير أنني موقنة بأن حالة عظيمة من حالات النغم في مجال إنشاء المدن الذكية تحدث على أرض مصر المباركة في مشهد أسطوري يضاهي أعظم بقاع العالم من حيث التشييد والبناء الحديث الذي ينقل دولاً وأمماً من حال إلى حال، وكذا حسن استثمار وتسويق تعاملات وأسواق المال والأعمال بما يحقق الأبعاد المرجوة من توفير مناخ الاستثمار وتحقيق عوامل الأمن القومي الاجتماعي الاقتصادي السياسي السياحي.

يقول الحديث الشريف "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".. ونحن من خلفه نردد ونعمر في معركتنا مع البناء، ونعضد من فرص الحياة بعد طول معاناة وكتابة النجاة