الإثنين 2 اغسطس 2021

ولكم فى التضحية ثوابٌ وحياةٌ كريمةٌ

مقالات16-7-2021 | 12:53

يعيش المسلمون هذه الأيام أجواء العمل الصالح فى العشر الأول من شهر ذى الحجة، والتى قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من أيام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام - يعنى أيام العشر - قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد فى سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.  رواه البخارى.

ويتفضل السادة الوعاظ والعلماء فى حث المسلمين على العمل الصالح مرضاة لله جل جلاله، ويرتكز حديثهم أكثر مما يرتكز على الصيام وقراءة القرآن والتكبير وإقامة الشعائر.

 

والحقيقة أن هذا التوجه فى الوعظ لا يعجبنى، وأشعر أنه وعظ فى الهواء لانه يفتقر إلى التوازن بين ترغيب المسلم فى العبادة وترغيب المسلم فى اصلاح معاملاته وحثه على المساهمة بماله ونفسه وخبرته وعلمه وخدماته لله رب العالمين.

فالإلحاح فى الوعظ الشعائرى أنتج مسلماً فى القرن الواحد والعشرين يحرص على صيام التسع الأول من شهر ذى الحجة ويقوم الليل ويختم القرآن عدة مرات، وفى نفس الوقت يأكل ميراث أخته، ويخاصم رحمه لأسباب بسيطة ويغش فى الكيل والميزان ويستحل المال العام.

 

وهذه الظاهرة من أسباب دعوتى كثيراً عبر مقالاتى وأحاديثى بضرورة إصلاح الوعظ والخطاب الدينى وتحويله من خطاب شعائرى إلى خطاب روحى وعملى يحض على الأخلاق والعمل الصالح بمقتضيات وإحتياجات العصر.  

فلو نظرنا مثلاً إلى معنى الأضحية ؟ سنجد أن الحديث عن الأضحية يوجب الحديث عن التضحية.

والأضحية هى ما يُذبح من الأنعام (الابل والبقر والغنم) لله تعالى من بعد صلاة عيد الأضحى إلى عصر آخر أيام التشريق، وهى سنة مؤكدة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيداً لسنة سيدنا ابراهيم فى موقف الفداء والذبح.. "وفديناه بذبح عظيم".

 فعن جابر رضى الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره، وأتى بكبش فذبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: بسم الله والله أكبر هذا عنى وعمن لم يضح من أمتي" رواه أبو دود والترمذي

وفى رواية ضحى بكبشين أقرنين أملحين.

 

فهل رسالة الإسلام فى الأضحية تنحصر فى إهراق الدم وأكل اللحوم وتوزيعها على الفقراء؟!

أم أن الرسالة والمعنى فى الأساس تعليم الناس التضحية والإيثار؟

لقد طبقت الأمة الإسلامية سنة الأضحية حرفياً وتاهت عن المعنى.. فالأضحية تعلمنا معنى الإيثار والتضحية.. التضحية بالمال لإنقاذ المكروبين والفقراء، وإطعام الجوعى، وعلاج المرضى.

قال تعالى :

وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً}(الإنسان: 8- 12).

 

وقال رسولُ الله ﷺ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَقُولُ يَوْمَ القيَامَة: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرضْتُ فَلَم تَعُدْني، قال: يا ربِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وأنْتَ رَبُّ العَالَمين؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدى فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أمَا عَلِمْتَ أنَّك لَوْ عُدْتَه لَوَجَدْتَنى عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِى فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فلم تسقِني، قال: يا ربِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِى فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو سقيتَه لوجدتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ رواه مسلم.

وعن أَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً شَكَا إلى رَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ".(أخرجه أحمد)

كل ذلك وأكثر يعلمنا كيف نطبق سنة الأضحية ولا نغفل عن معنى التضحية.

 

وسنة الأضحية من شعائر الكفاية التى إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ، وهى ليست واجبة.. بل سنة مؤكدة كما ذهب الجمهور.

وبالفعل يقوم آلاف المسلمين بذبح الأضاحى وتطبيق الشعيرة فضلاً عن عشرات الجمعيات الخيرية التى تجمع صكوك الأضاحى وتقوم بتوزيع اللحوم على الفقراء.

وهذا الجمع يكفى لإقامة تلك الشعيرة نيابة عن كل المسلمين فى المشارق والمغارب.

وفى ظل احتياجات الإنسان فى عصرنا إلى متطلبات تختلف عن أكل اللحوم.. كالعلاج والتعليم... الخ.

فلماذا لا نحث المسلمين على التبرع بثمن الأضحية المعد لشراء الذبيحة لتفريج كرب غارم أو غارمة فى السجن بسبب الديون ؟  

أو التبرع بثمن الأضحية لمريض يحتاج إلى عملية جراحية ولا يجد ثمنها وحياته مهددة؟

أو التبرع بثمن الأضحية لأيتام يتجرعون مرارة الإحتياج إلى التعليم والعيش الكريم؟

أو التبرع بثمن الأضحية لعمل مشروع مصغر لفقير يحتاج إلى فرصة عمل كى يكف نفسه عن السؤال؟

وفى ظل مبادرة حياة كريمة التى أطلقها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية يجب علينا جميعاً التفاعل والتجاوب مع مقتضيات احتياجات الفقير المعاصر، كلٌ بما يستطيع أن يقدمه.

وكنت فى ندوة بالأمس فى مقر جمعية مصر الخير أطلقت هذه المعانى وناديت جموعاً من المسلمين. بالتبرع بثمن الأضحية ، لأن غوث الملهوف أولى من اطعامه اللحوم.

ولان شعيرة الأضحية قام بها البعض وسقطت عن الباقين، ولأننا فى عصر يجب أن نتحول جميعا إلى تروس فى ماكينة إنتاج وخاصة فى فعل الخيرات والتضحية بالمال.

قال صلى الله عليه وسلم : مثلُ المؤمنين فى تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى.

فالمصريون يقدمون صدقات وزكاة سنوياً ما يقرب من 23 مليار جنيه، وهذا رقم لو تم توظيفه بعناية سيكون هناك طفرة فى رعاية الفقراء والقرى الفقيرة.

 

وعندما عرضت هذا الاقتراح فى الندوة التى حضرها بعض الزملاء وأستاذنا الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه فى الأزهر ولفيف من الإعلاميين، ذكر البعض تخوفه من عدم إقامة شعيرة الأضحية.

قلت له: الشعيرة قائمة ويقوم الملايين من المسلمين بفعلها نيابة عن الأمة الإسلامية، وقد ذبح رسول الله كبشاً أضحية لمن لم يضحى من أمته. كما فى الحديث الذى سبق ذكره.. ولكن وجب على الأمة إقامة التضحية غوثاً للفقراء والمساكين.

 

ثم توجهت بسؤالى أمام الحاضرين للدكتور أحمد كريمة ؟

مولانا :  لو أردت أن أُضحى وعلمت أن جارى يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة وهو عاجز عن تسديد ثمن علاجه؟ هل أذبح أضحية وأقدم له لحماً ؟ أم  أُغيثه بثمنها ؟ وآخذ ثواب إحياء نفس؟

أيهما أعظم ثواباً؟

فقال بدون تردد.. أعطه ثمن الأضحية.

أدعوا زملائى فى وزارة الأقاف بعرض هذه المعانى على الناس من خلال خطب الجمعة، وحثهم على التضحية باعتبارها أعظم ثواباً عند الله تعالى وأنفع للعباد والبلاد.

وصياغة خطاب دينى  يدمج المائة مليون مصرى فى مبادرة حياة كريمة كما الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

وأن يُقدم كل منا ما يستطيع وله الأجر والثواب من الله جل جلاله الذى قال: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله. 110. البقرة.

والله الموفق والمستعان.