الإثنين 21 يونيو 2021

الطلاق آخر الحلول إذا استحالت العِشرة

مقالات10-6-2021 | 17:35

تُعدّ الحياة الزوجية أقوى الروابط الاجتماعية، ولقد وصف الله سبحانه وتعالى عقد الزواج في القرآن الكريم بـ "الميثاق الغليظ" فقال تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، لقوة ومتانة هذا العقد الذي يصعب نقضه، كالثوب الغليظ الذي يعسر شقه أو تمزيقه.

 

لقد بيَّن الله تعالى أنّ الأصل في العلاقة بين الزوجين المودّة والرحمة، فقال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21]، والمعنى: ومن آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق لأجلكم أيها الرجال من جنسكم أزواجًا؛ لتطمئن نفوسكم إليها وتسكن، وجعل بينكم محبة وشفقة، إن في خلق الله ذلك لآيات لقوم يتفكرون ويتدبرون، ولو تأملنا هذه الآية الكريمة لوجدناها تحتوي على مراحل ثلاثة، هى السكن والمودّة والرحمة؛ فالسكن هو سكينة النفس وطمأنينتها واستقرارها، والراحة والحماية والأمن والسلام، حيث يرتاح كلٌّ منهما إلى الآخر، ويطمئن له ويسعد به، ويجد لديه حاجته؛ فإذا ما اهتزت هذه المرحلة ونفرَ أحدهما من الآخر جاء دور المودّة والمحبّة التي تُمسك بزمام الحياة الزوجية وتوفر لكليهما قدرًا كافيًا من القبول، فإذا ما ضعف أحدهما عن القيام بواجبه نحو الآخر جاء دور الرحمة، فيرحم كل منهما صاحبه؛ فيرحم ضعفه ويرحم مرضه، وبذلك تستمر الحياة الزوجية، ولا تكون عُرضة للعواصف في رحلة الحياة، فالمودّة والرحمة إذا نُزعا من المنزل كانت الحياة شقاء ودمارًا.

 

الحياة الزوجية لا تخلو من الخلافات نتيجة اختلاف الطبائع البشرية، والتفاوت في النفوس البشرية وصفاتهم، وقد تعصف رياح الشقاق بين الزوجين، وإذا وقع بين الزوجين خلاف فينبغي أن يحلّ بالتفاهم والتراضي، وأمّا إذا استحكمت المشاكل إلى الدرجة التي لم يعد فيها الزوجان قادرين على حلّها حلَّا مرضيًّا، فقد أرشدنا القرآن الكريم إلى حل أخير في حالة حدوث خلاف بين الزوجين من المحتمل أن ينهي العلاقة بينهما، وهو الإصلاح بين الزوجين عن طريق الحكمين، فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35]، والمعنى: وإن علمتم خلافًا بين الزوجين يؤدي إلى الفراق، وسمى الخلاف شقاقًا لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد من الزوجين صار في شق وجانب غير الذي فيه صاحبه، فأرسلوا إليهما حكمًا عدلا من أهل الزوج، وحكمًا عدلا من أهل الزوجة؛ لينظرا ويستكشفا حقيقة الخلاف، ويحكما بما فيه المصلحة لهما، والحكيم عليه أن ينظر إلى الطلاق باعتباره الكيّ المؤلم الذي يضطر إليه المريض؛ فعقلاء العرب قالوا: "آخر الدواء الكيّ" وقبل التفكير في هذا الكيّ لابد من استنفاد جميع الوسائل الممكنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إِن كره منها خلقًا رضي منها آخر» [رواه مسلم]، أي لا يبغض الرجل زوجته لأنها أساءت في خلق واحد، بل يقارن إن كره خلقًا منها رضي منها خلقًا آخر، والشيطان يفرح بطلاق الزوجين ويتربص بهما حتى يفرقهما؛ فعن جابر بن عبدالله الأنصاري رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه ، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنةً ، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول ما صنعت شيئًا ، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ، ويقول: نعم أنت» [رواه مسلم]، فإذا ما استنفدنا هذه المراحل، فلم يعُد بينهما سكن ولا مودّة، ولا حتى يرحم أحدهما صاحبه فقد استحالت بينهما العِشرة، وأصبح من الحكمة مفارقة أحدهما للآخر، وهنا شرع الحق سبحانه الطلاق ليكون حلاً لمثل هذه الحالات، ومع ذلك جعله الله أبغض الحلال، حتى لا نقدم عليه إلاّ مُضطرِّين مُجبرين.

من علماء الأزهر الشريف- عضو الاتحاد الدولي للغة العربية