الأحد 20 يونيو 2021

تمام الكلام

مقالات10-5-2021 | 20:37

الباب بوابة الحياة

 

يدخل منه السعيد والحزين، السليم والمعاق، الحكيم والأبله، الروحانى والمادى، الروتينى والمنظم، الأنيق وغير المهندم، النحيف والسمين، الكريم والبخيل، القاسى والرحيم، الرقيق والعنيف، الصامت والثرثار، خفيف الدم وثقيل الظل، الأبيض والأسود، وما بينهما المبدع والعادى، المتكبر والمتواضع، الحانى والحاسد، المبارك والحاقد، المتدنى والسفيه، كريم الأخلاق وعديمها، العاقل والمجنون.

 

كل هؤلاء تلتقطهم عينى بينما هم يمرقون ذلك الساحر العجيب، الذى يشدهم إلى المرور من تحت قامته فى انحناءة ومحبة، شيئًا ما تراه يشدهم إلى الوقوف أمام مرآته البراقة، يتفحصون وجودهم ووجوههم وكأنهم للمرة الأولى يعيدون ضبط ملابسهم على أجسادهم، وشد ياقاتهم إلى أعلى قمة ممكنة، يغرسون أطراف أصابعهم فى شعرهم وكأنهم يقبضون على أفكارهم قبل أن تتبخر، وعلى تسريحاتهم قبل أن تمل من الصمود والروتين الأبله، فى تلك اللحظة ترى من يخترقه اختراقًا عجيبًا، وكأنه متسابق فى المارثوان، فلا تراه ينظر فى وجهه أو هندامه، أو حتى من يتأرجحون حوله فى صمت وصراخ، كل ما يهم هؤلاء هو اللحاق بما يرغبون وما يريدون، ربما موعد مع حبيب أو الحصول على صفقة أو كومة من الأطعمة والمشروبات ليرضى كرشه الذى يمشى أمامه فى تنافس رهيب معه.

وفى الطرف الآخر من الباب تجد وجهين لزوجين كادا أن يقفزا منهما ضجرًا، ومع ذلك فهما يمسكان ببعضهما البعض وكأنهما السجان والسجين، يكاد الرابط بينهما أن يصرخ مستجيرًا بمن حولهما، يالله.. كل هذه الكراهية، كيف تجتمع فى شخصين قادهما الحب يوما إلى زانزانة الرتابة.

وعلى العكس تمامًا من هذه الصورة شاهدت عاشقين يحتضنان السماء والأرض، وكأنهما لا يقويان على البعد والانفصال حتى أمام الأعين والحساد، ويكادان ينفجران من الابتسام والزهو بالمحبة الغامرة، ربما اليوم هى صادقة وغدًا منفرة، تنطق بما يستقر فى قلبيهما المغردين، وتسمو إلى معانٍ كثيرة جميلة ربما افتقدها الزوجان السابقان المتلازمان رغما عنهما.

وفى جوار الباب، رأيت شاعرًا معروفًا اختار العزلة فى جلسته بعيدًا عن الناس والإحساس بالوقت، يطالع الجميع دون تعليق ويرتل قصيدته العصية، وتحت نقطة المنتصف بالضبط من الباب يقف رجل عملاق وبجواره طفله الصغير مهيض الجناح، كان يوجه إليه طلقات من صراخه، تسبقها لكمات من يديه، وفجأة يربت على كتفه رجل ينقصه وزنًا وطولا، يسأله الرحمة والهدوء، لكن هذا الجبل البشرى لم يطق أن يثنيه أحد عما يفعله، فما أن ولى بوجهه نحوه حتى لكمه لكمة قاضية أسقطته صريعًا ممتطيًا الريح إلى الغيبوبة ليتجمع كل المارقين والواقفين والسائرين فى صمتهم حول المشهد، بعضهم هاجم العملاق، والبعض الآخر أمسك به، والثالث قاتله بنظرة لوم وعتاب.

فى تلك اللحظة أثار اندهاشى المرأة التى تحمل فوق رأسها شمسية (كومة) عملاقة من الشعر الطبيعى الكنيش، فى قصة غريبة من نوعها، غير ملائمة إطلاقًا لعمرها الذى تجاوز الستين، وأيضا هذا المشهد الإنسانى المؤثر والمتناقض، الرجل يمشى بطيئًا متكئًا على عكازه، أما زوجته فلم تميز ذلك، فأخذت تمضى مهرولة أمامه وكأنها حصان رهوان غير مراعية، لظروفه الصحية أو مقدرة للعشرة التى طالت بينهما.

كل من عبر الباب اهتز وسخط وكال اللعنات على رأس من تجرد قلبه من الرحمة والحنو على طفله الصغير، إلا الباب كان صامتًا، ثابتًا، قويًا، عنيدًا، قاسيًا لا ينبس ببنت شفة، ولا شيء تحرك فيه، ما زال يحصى القادمين والراحلين، مازال يرقب السيناريو الإنسانى الذى يتفنن أصحابه فى إجادته دون تعمد كأنهم ألوان فى قبضة ريشة رسام.

وعلى رأى المثل «الباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح» مع أنه الفاتحة لكل رياح الحياة، فمنه يدخل الخاطب لخطيبته، والعريس لعروسه بالعواطف، وأيضا الكاره لزوجته بورقة الطلاق والمدعى عليه بفاتورة الكهرباء المفزعة، وملل ضيف ثقيل الحضور والأنفاس.