الأحد 16 مايو 2021

إسرائيل وتخصيب إيران لليورانيوم

مقالات3-5-2021 | 20:19

بداية أود أن أقول إن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية حق مشروع لجميع دول العالم، ومن حق أى دولة فى العالم امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية شاملة دورة الوقود النووى كاملة، وهذا بنص الفقرة الرابعة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية NPT، والتى دخلت حيز التنفيذ فى 1970.

دورة الوقود النووى الكاملة، تشمل تخصيب اليورانيوم، أى زيادة نسبة اليورانيوم الذى ينشطر. واليورانيوم الذى ينشطر، هو اليورانيوم 235 (يو-235)، لكن نسبة وجوده فى اليورانيوم الطبيعى ضئيلة جدا "0.7%"، ونسبة اليورانيوم الذى لا ينشطر "يو-238" كبيرة "99.3%"، ولذلك مطلوب زيادة نسبة اليورانيوم الذى ينشطر"يو-235" وتسمى تخصيب اليورانيوم. فى معظم المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء، نسبة "يو-235" تتراوح ما بين 2% إلى 5%، وهو يورانيوم منخفض التخصيب.

أجهزة الطرد المركزى ذات السرعة الفائقة، تستخدم فى عملية التخصيب، وهى عملية فصل ذرات "يو-235" عن ذرات "يو-238"، وذلك اعتمادا على اختلاف أوزانهم، حيث أن الـ "يو-235" أخف وزنا من الـ "يو-238". يحول اليورانيوم الطبيعى إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم، ويتم إدخاله فى جهاز طرد مركزى، وقوة الطرد المركزى تسرّع الذرات، بحيث إن الذرات الأثقل "يو-238" تتحرك نحو جدار الجهاز، وتبقى الذرات الأخف "يو-235" قريبة من المركز، وبذلك تفصل عن بعضها فزيائياً. فى كل جهاز طرد مركزى، نجد أن نسبة زيادة الـ "يو-235" ضئيلة جدا، وبذلك نحتاج لأعداد كثيرة من أجهزة الطرد المركزى، وتكون متصلة بالتوالى، أى فى شكل سلسلة، مثل حبات العُقد.

أما عن إسرائيل وبرنامج إيران النووى، فإسرائيل لم تعارض أمريكا فى مساعدتها لبرنامج إيران النووى فترة حكم "الشاه"، ففى 5 مارس 1957 وقّع الشاه مع الرئيس الأمريكى "ايزنهاور" اتفاقية مدتها 10 سنوات، حصلت إيران بموجبها على مساعدات نووية أمريكية، منها حصلت على عدة كيلوجرامات من اليورانيوم المخصب للأغراض البحثية. أيضا حصلت إيران فى عام 1960 على أول مفاعل بحثى نووى إيرانى من أمريكا، قدرته 5 ميجاوات، بدأ تشغيله عام 1967. كما حصلت إيران على العديد من "الخلايا الحارة" للتعامل مع المواد المشعة، وفى عام 1967 تأسس مركز طهران للبحوث النووية.TNRC فى سبتمبر عام 1967 زودت أمريكا إيران بـ 5.5 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب، ثم تلى ذلك تزويدها بنحو 104 كيلوجرامات من اليورانيوم المخصب لزوم تشغيل مفاعل الأبحاث فى مركز طهران للبحوث النووية. وفى مقابل ذلك، فى يوليو من عام 1968 وقعت إيران معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويةNPT، وصدقت عليها فى 2 فبراير من عام 1970، كما وقعت إيران على اتفاقية الضمانات، والتى دخلت حيز التنفيذ فى 15 مايو 1974.

والأهم فى الأمر أن الرئيس الأمريكى "جيرالد فورد" فى عام 1976، قد وافق على تزويد إيران بمنظومة أمريكية لإعادة معالجة الوقود النووى المحترق الخارج من المفاعل، لاستخراج البلوتونيوم، وكان الاتفاق يتضمن فى الأصل، امتلاك إيران دورة وقود نووى كاملة من أمريكا، بمعنى أن إيران كانت ستمتلك مصنعا لتخصيب اليورانيوم ضمن هذه المنظومة. إذاً ستكون مواد صناعة القنبلة النووية "بلوتونيوم ويورانيوم مخصب" فى حوزة إيران، وبدون اعتراض من إسرائيل.

كان لإيران علاقات وثيقة مع الغرب، ففى عام 1975، قامت ألمانيا بتوقيع عقد لبناء مفاعلين من نوع الماء الخفيف المضغوط، وكان من المقرر أن يتم الانتهاء من تنفيذهما عام 1981، إلا أن العمل فى تنفيذ المفاعلين توقف بعد الثورة الإسلامية.

فى مجال تخصيب اليورانيوم وبعيدا عن أمريكا، فى عام 1975 شاركت إيران بنسبة 10% فى شركة "يوروديف" فى فرنسا لتخصيب اليورانيوم، ويكون من حق إيران شراء 10٪ من إنتاج اليورانيوم المخصب. بعد الثورة الإسلامية استبعدت إيران من هذا المشروع.

توقف برنامج إيران النووى، بعد الثورة الإسلامية عام 1979. لكنه بدأ مرة أخرى وعلى نطاق ضيق خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، وبداية من عام 1989، بدأ التوسع فى البرنامج النووى من جديد وبطريقة سرية. وبدأت أمريكا والدول الغربية فى وقف التعامل مع برنامج إيران النووى.

ظلت إيران مهتمة بالتكنولوجيا النووية، وطوّرت دورة وقود نووى مكثفة، بما فى ذلك قدرات تخصيب متطورة، والتى أصبحت موضوع مفاوضات دولية مكثفة وعقوبات بين عامى 2002 و2015.

بناء على الشكوك التى انتابت أمريكا والدول الغربية من نوايا برنامج إيران النووى، فى عام 1992 استقبلت إيران مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، وسمحت لهم بزيارة جميع المواقع والمنشآت التى طلبوا التفتيش عليها، ومن بينها منجم خام اليورانيوم "ساغاند".

فى عام 2002، كشفت الجماعات الإيرانية المنشقة، عن موقع تخصيب اليورانيوم فى منشأة "نتانز"، وعن مصنع "الماء الثقيل" فى "أراك".

ظهر أسم "نتانز" على السطح، ونتيجة لذلك زادت الشكوك فى نوايا إيران، وبدأ الملف النووى الإيرانى يأخذ طابع السخونة، ففى 4 فبراير 2006، وافق مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إحالة الملف إلى مجلس الأمن. وبناء على ذلك، وبعد يومين من إحالة الملف إلى مجلس الأمن، علقت إيران تنفيذ البروتوكول الاضافى، وأوقفت جميع أشكال التعاون غير الملزمة قانونا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فى 11 أبريل 2006، أعلنت إيران رسميا أنها نجحت فى تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.5% بأجهزة الطرد المركزى من الجيل الأول IR-1، وأنها انضمت للنادى النووى، وأن إيران لن تتراجع عن تخصيب اليورانيوم وأن العالم يجب أن يعامل إيران كقوة نووية.

بخلاف مجمع "نتانز" يوجد مجمع أخرى لتخصيب اليورانيوم يسمى "فوردو". تعد منشأة "نتانز" أكبر مجمع لتخصيب اليورانيوم فى إيران، وهى تستخدم أجهزة طرد مركزى من الجيل الأول IR-1، والتى تعتبر الأقل كفاءة، وعددها يقدر بحوالى 19 ألف جهاز، وتعمل فى تخصيب اليورانيوم منذ فبراير 2007. مجمع "نتانز" هو واحد من عدة منشآت إيرانية تخضع للتفتيش من قبل مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويتكون من ثلاثة مبانٍ كبيرة تحت الأرض، وهو قادر على تشغيل ما يصل إلى 50 ألف جهاز طرد مركزى.

استهدفت إسرائيل مجمع "نتانز" لأول مرة فى عام 2007، من خلال شن هجوم سيبرانى على الحاسبات الآلية، بواسطة فيروس كمبيوتر "ستكس نت" Stuxnet، والذى قام بالتشويش على برامج الحاسبات الآلية، وأدى إلى تدمير المئات من أجهزة الطرد المركزى.

فى مجمع "فوردو" لتخصيب اليورانيوم، وفى أواخر عام 2011، بدأت عمليات تشغيل 696 جهاز طرد مركزى، من أصل 2784 جهاز طرد مركزى، وأصبح مجمع "فوردو" هو المنوط به تخصيب اليورانيوم بنسبة 19.75٪.

بدأت المفاوضات فى جنيف بين إيران ومجموعة الـ 5+1 فى 2009، أولاً فى 1 أكتوبر فى جنيف، ثم فى 19 أكتوبر فى فيينا، وهى المجموعة التى تضم أعضاء مجلس الأمن الدائمين "أمريكا وروسيا والصين وفرنسا وانجلترا" بالإضافة إلى ألمانيا، وفى 24 نوفمبر 2013 توصلوا إلى اتفاق جنيف الابتدائى، وهو اتفاق مؤقت، الذى فيه وافقت إيران على التخلى عن أجزاء من خطتها النووية، مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها، هذه الاتفاقية فعلّت على أرض الواقع فى 20 يناير 2014. بعد ذلك استمرت المفاوضات إلى أن توصلوا لخطة عمل شاملة مشتركة JCPOA.

 الاتفاقية تم توقيعها يوم الثلاثاء 14 يوليو 2015، بعد ما يقرب من 20 شهراً من المفاوضات، والتى تتضمن رفع العقوبات الدولية المتعلقة بالبرنامج النووى الإيرانى، مع فرض قيود على برنامج إيران النووى، منها: تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزى فى مجمع "نتانز" من 19 ألف جهاز إلى 6104، وستقوم بتشغيل 5060 منها فقط، وهى أجهزة من الجيل الأول IR-1، ويسمح لإيران فقط باستخدام "الجيل الأول" من أجهزة الطرد المركزى IR-1 للإنتاج، واختبار عدد محدود من أجهزة IR-4 وIR-5، ووضع حد لتخصيب اليورانيوم بحيث لا يتجاوز 3.67%، وتحويل مجمع "فوردو" لتخصيب اليورانيوم إلى مركز بحوث فيزياء.

رئيس وزراء إسرائيل "نتانياهو"، رفض الاتفاقية" وقال إنها تهدد وجود إسرائيل، والبديل هو الوقوف بحزم وزيادة الضغوط على إيران حتى يجرى التوصل لاتفاق أفضل.

رئيس وزراء إسرائيل مهد ساحة العمليات لكى يعلن الرئيس الأمريكى "ترامب" الإنسحاب من الاتفاقية. ففى 30 أبريل 2018، أعلن "نتانياهو" عن حصول إسرائيل على 55 ألف وثيقة لبرنامج إيران النووى، والتى تثبت وجود برنامج نووى إيرانى سرى، وأن إيران كانت تكذب بوقاحة عندما قالت إنها لا تمتلك برنامجا للأسلحة النووية.

على الفور وفى يوم الثلاثاء 8 مايو 2018، أعلن "ترامب" انسحاب أمريكا من الاتفاقية، ووصفها بـ "الكارثية"، واتهم إيران "بالكذب" فى شأن ملفها النووى، وقرر إعادة العمل بالعقوبات الاميركية على إيران. كما هدد بفرض عقوبات شديدة على البلاد التى ستساعد إيران فى سعيها للحصول على الأسلحة النووية. بعد عام أعلنت إيران انسحابها الجزئى من الاتفاقية.

وردا على انسحاب أمريكا من الاتفاقية، فى 1 يوليو 2019، تجاوزت إيران 300 كيلوجرام من سادس فلوريد اليورانيوم، وفى 8 يوليو 2019، قامت إيران بتخصيب اليورانيوم لمستوى 4.5٪، أى بما يفوق مستوى 3.67% المسموح به فى الاتفاق النووى. وارتفع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى 213.5 كيلوجرام، فى حين أن المسموح به فى الاتفاق النووى 202.8 كيلوجرام فقط. طوال عام 2020، إيران لم تخصب أكثر من نسبة 5٪ من اليورانيوم 235.

تقول إسرائيل أن إيران ما زالت تتمسك بطموحها لتطوير أسلحة نووية، وتشير إلى برامج إيران للصواريخ الباليستية، وغيرها من الأبحاث.

فى يوم 27 نوفمبر 2020، اغتالت إسرائيل العالم النووى الإيرانى الكبير "محسن فخرى زاده". وردا على ذلك، يوم الاثنين 4 يناير 2021، أعلنت إيران استئناف رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20% فى مجمع "فوردو"، وهو ما يمثل عودة لمستوى التخصيب الذى كان معمولا به قبل التوصل للاتفاق النووى فى 2015، وكذلك ردا على انسحاب أمريكا من الاتفاقية.

منذ يناير 2021، ارتفع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 20٪ إلى 55 كيلوجراماً.

يوم السبت الموافق 10 أبريل 2021، أعلنت إيران أنها بدأت تشغيل أجهزة طرد مركزى متطورة لتخصيب اليورانيوم فى مجمع "نتانز"، وهى IR-2M وIR-4 وIR-5 وIR-6 وIR-6S، وكان ذلك بعد أيام من بدء المحادثات الجديدة بشأن إنقاذ اتفاق 2015. كما تم اختبار أجهزة طرد مركزى متطورة جدا، وهى IR-9.

بعد يوم من إعلان إيران تشغيل أجهزة طرد مركزى متطورة، أى فى الأحد 11 أبريل 2021، أدى انفجار قنبلة إلى انقطاع مصدر الكهرباء الرئيسى والمغذى لمجمع التخصيب تحت الأرض فى "نتانز".

وردا على هذا الحدث، ففى يوم الثلاثاء 13 أبريل 2021، أعلنت إيران أنها رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%.

من شأن التخصيب بنسبة 60% أن يجعل إيران قادرة على الانتقال بسرعة إلى نسبة 90% وأكثر، وهى المعدلات المطلوبة لتصنيع قنبلة نووية.

الآن إيران فى موقف القوة، فهى تمتلك المعرفة فى تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية، ولذلك أصبحت قوة لا يستهان بها.

قد يقول البعض إن كل ما حدث وكل ما يحدث وكل ما سوف يحدث، هى لعبة سياسية، كنوع من الترهيب والوعيد لدول المنطقة، وحتى لا تفكر أى دولة وفى أى لحظة فى الدخول فى برامج نووية عسكرية، وأن هذه اللعبة تمهد لحصول إيران على قنبلة نووية شيعية، ويتم تقسيم المنطقة حسب اتزان القوى فى المنطقة، بين إسرائيل وبين الشيعة، وتنتهى مشكلة فلسطين والقدس وينتهى دور الشعوب السنية فى المنطقة..

هل هذا الكلام صحيح؟.. نقول: العلم عند الله.

الاكثر قراءة