الإثنين 10 مايو 2021

الأدب النِسْوى!

مقالات13-4-2021 | 13:12

منذ أن اقتحمت الأنثى عالم الكتابة والأدب كانت ضيفاً ثقيلاً غير مُرحب به في صالون الأدب الخاص بالرجال، وحوربت عندما حاولت التمرد على النسق الثقافي الذكوري الذي كان يحصرها في أدوارها الاجتماعية التقليدية ويمنعها من مُغادرة حيز معين، لذا جاهدت لمغادرة هذا التهميش مُتخفية وراء أقنعة وتساوى حضورها وغيابها وهي توقع ما تكتبه بأسماء الرجال خوفاً من النظرة الدونية فظهرت كتابات أنثوية بأسماء ذكورية كجورج إليوت وتشارلوت برونتى وفانى فوستر.

ولجأت أخريات لمزج أسمائهن بأسماء مُذكرة تجنباً للرفض من القارئ وهذا الأدب ساد أغلب القرن التاسع عشر ظل يخفي بداخله روح التمرد على الخضوع فظهرت نماذج الروايات التي تقدم البطلة المتمردة كنموذج رواية (غرفة تخص المرء وحده) لفيرجينيا وولف حيث طرحت فيها معاناة المرأة على مستوى التعليم وكراهية الرجل وافتقاد الأنوثة .

وانتهى القرن التاسع عشر على وضع مأساوي لأدب المرأة وبدأت المرحلة النسوية الثانية بكتابات أكثر وضوحاً ومباشرة فى التعبير عن أوضاع المرأة ومطالبها  ولكن هذا الحضور لم يجعل النقد الأدبى الذى كان يهيمن عليه الرجال يلفت الأنظار الى هذا الأدب ويمنحه التقدير فظهر النقد النِسوى فى بداية ستينيات القرن الماضى واعتمد على إعادة إحياء التراث من خلال تقديمه على نحو مُغاير بإعادة طبعه ونشره وركز هذا النقد على السياق المرجعى لهذه الكتابة لغوياً وتاريخياً وسياسياً وثقافياً وتنامت حركة النقد واتسع مفهومه مع محاولات باءت بالفشل للتخلص من مصطلحات النِسْوى والأنثوى والمؤنث.

وفى الساحة الأدبية المصرية ظهرت نماذج كاتبات كُن رموزاً لقوة القلم والتعبير لكن تم تصنيفهن فى نفس خانة الأدب النِسوى أمثال أديبة الفقهاء (عائشة راتب) والكاتبة (سهير القلماوى) والمُتمردة (أمينة السعيد) والثائرة (لطيفة الزيات)؛ لاعتقاد النقاد أن ما تكتبه المرأة يختلف عما يكتبه الرجل ولاسيما من الناحية الفنية فى إشارة إلى أن المرأة أقدر على التعبير عن قضاياها من الرجل مهما بلغت قدرة الأخير على فهم المرأة وخصوصيتها . وبرغم الخلاف على المصطلح ،لا يمكن أن يختلف أحد على وجود كتابات عبرت عن النساء بقلم ذكورى أمثال كتابات العظيم إحسان عبدالقدوس والذى سبقه عالمياً بسنوات عديدة هنريك إبسن فى مسرحيته “الدمية”، لذا يكون من الأفضل أن يكون الجدل قائم على المنظور الفكرى للمرأة ومحاولة التعبير عنها والسمو بها بأفضل ما يمكن من الكتابات.

 فالأدب النسوي  يعتبر أحد المصطلحات الجدلية التي أخذت حيز كبير من الاهتمام منذ فترة التسعينات، خصوصًا بعد أن أنتشر استعماله كثيراً بعد أن ظهرت مجموعة من الأقلام النسائية الواعدة في مختلف الدول العربية، غير أن هذا المصطلح لم يتمكن من توفيق مختلف وجهات النظر حياله خصوصًا من قبل الكاتبات أنفسهن.

 كما أن النقاد الأدبيين حتى الآن لم يتفقوا حول ما إذا كانت هذه التسمية بالفعل تعكس الواقع الأدبي للنساء أم أنها تحجم من تلك التجربة إذ أن بعض النُقَّاد يرون أن تصنيف كل ما تكتبه المرأة تحت ما يسمى بالأدب النسائي لا يُعد صحيحًا خصوصًا وأن بعض الأصوات النسوية لا تتحدث لا من قريب ولا من بعيد عن قضايا وهموم المرأة؛ بل ينحصر سردها الأدبي في كثير من الأحيان على إسقاطات شخصية حول مواضيع مختلفة.

 ولذا لا ينبغي أن تُصنَّف كل تلك الكتابات بكتابات نسوية إلا إذا ناقشت بشكل رئيسي في سردها الأدبي القضايا التي تتعلق بواقع وهموم المرأة في مختلف المجالات من جهة أخرى يرى بعض النُقَّاد أنه ينبغي أن يصنف كل ما تكتبه المرأة بالأدب النِسوي؛ لأن المرأة بشكل عام تميل إلى تغليب المشاعر والتركيز على التفاصيل أثناء تجربتها الأدبية.

 وبهذا تكون التجربة الكتابية متشابهة بين مختلف الأقلام وما يناقض هذا الجانب من النقد هو أن الأسلوب الأدبي يختلف من كاتب لآخر، ويوجد كتّاب يستخدمون بشكل مكثف جانب المشاعر والتفاصيل في أعمالهم الأدبية، وبهذا لا يمكن أن يحصر هذا النوع من الكتابة بالصوت النسائي، خصوصًا إذا علمنا أن هناك كاتبات تخصَّصن في مجالات بعيدة عن قضايا المرأة تمامًا كالكاتبة المُتخصِّصة في الأدب البوليسي «أجاثا كريستي»، وبهذا يبدوا أن تصنيف الأدب النسوي كأدب يرتبط بقضايا وهموم المرأة هو الأقرب للمنطق.

 واقعية النقد تبدأ بالترفع عن أي تصنيف فكل إبداع أدبي سواء كان يخص المرأة تعبيراً عن مشاعرها أو عرضاً لهمومها وقضاياها لا يجب قصره على جندرية كاتبه، فالأقدر على التعبير هو الأولى بالتقدير ولنمحو مصطلح النسوي من ثقافتنا .