الخميس 8 ديسمبر 2022

نجاحات وإحباطات ومنع وإطلاق سراح.. القصة الكاملة لرحلات فيروز والرحبانية إلى مصر

فن20-11-2020 | 23:11


جد الرحبانية ولد في طنطا.. وفيروز أمضت شهر العسل بالزمالك


زارت مصر عامي 1955 و1966 دون إحياء حفلات


عاصي يحلم بفيروز إيزيس عند الأهرامات


فيروز تغني للمراكب الشراعية في النيل


عبد الوهاب يقطع زيارته للندن ويعود ليستقبلها في القاهرة


فيروز تغني "يا حلاوة ع الكرنبة" ثم تغرق في الضحك!


الجمهور المصري يهتف ويصفق لفيروز في ميناء الإسكندرية


غنت للمرة الأولى في مصر عام 1976 في حديقة الأندلس


غنت عند سفح الأهرامات عام 1989 بعد انفصالها عن الأخوين رحباني


 كانت القاهرة على لقاء مع الثلاثي فيروز والأخوين رحباني ، لثلاث مرات الأولى في عام 1955 والثانية عام 1966 والثالثة عام 1976، لم تحيي فيروز حفلات غنائية، لا في الزيارة الأولى، ولا في الثانية، وأحيت عدة حفلات في الثالثة، وزار الأخوان رحباني مصر من دون فيروز بعد انفصالها عن المؤسسة الرحبانية، زاراها عام 1982 لتقديم مسرحية الشخص مع عفاف راضي، بينما زارت فيروز مصر عام 1989 لإحياء حفلات ثلاث عند سفح الأهرامات، بعد انفصالها عن الأخوين رحباني ورحيل عاصي. 


وزار منصور الرحباني مصر وحيدا بعد رحيل عاصي 1995، للمشاركة في لجنة تحكيم مسابقة مهرجان الأغنية الدولي، الذي كانت تنظمه وزارة السياحة في دورته الأولى، ثم عاد وزارها عام 1999 لتقديم عروض مسرحيته الغنائية "آخر أيام سقراط"، من بطولة هدى حداد ورفيق علي أحمد على مسرح دار الأوبرا المصرية، ونستعرض هنا بعض أهم أحداث  زيارتهم تلك لمصر.


الرحلة الأولى تسجيل 48 أغنية لصوت العرب 1955


بعد أسبوعين من زواج  فيروز وعاصي في فبراير من عام 1955 حل الاثنان مع منصور الرحباني، والمخرج صبري الشريف، ضيوفا على  مصر بدعوة من إذاعة "صوت العرب" لتسجيل أعمال غنائية، ودامت زيارتها نحو خمسة أشهر ونصف، سجلا خلالها نحو 48 عملا غنائيا لصالح الإذاعة، واستكملا قضاء شهر العسل في القاهرة، التي كانت تتشوق للقاء فيروز، بعد أن جذبت أعمالها مع الأخوين رحباني، آذان كبار الموسيقيين في القاهرة، من خلال إذاعة "الشرق الأدنى" والأسطوانات التجارية، وعلى رأسهم مدحت عاصم ومحمد حسن الشجاعي، وأحمد سعيد الذي كان صاحب الدعوة.


وفي القاهرة كانت فيروز ترتاح للسهر في حديقة كازينو الجلاء، "كازينو بديعة مصابني الصيفي سابقا"، على ضفاف نيل الجيزة، ومكانه اليوم شيراتون القاهرة، على مائدة الإذاعي الكبير محمد حسن الشجاعي، ومع الأخوين عاصي ومنصور، والمخرج صبري الشريف. 


في تلك السهرات التقت فيروز موسيقيين مصريين، وعرض عليها كمال الطويل أن يلحن لها فاعتذر عاصي منه، لارتباطه بتسجيل ثمانية وأربعين لحنا من وضعه، هو وأخيه، لصوت العرب.


وحاول محمود الشريف إقناع فيروز وعاصي بغنائها لحنا له، لكن الأخير اعتذر أيضا، وفي ذلك الوقت كان الشاعر خليل جرجس خليل، نشر في مجلة "آخر ساعة" قصيدة بعنوان "لا لا"، فاقترح على محمود الشريف أن يلحنها، ووافق الأخير في حال إذا استطاع أن يقنع فيروز بغنائها، لكنه لم يستطع إقناعها، فكتب محمود الشريف مقالا في جريدة "الشعب"، يهاجم فيه الأخوين رحباني، وقال فيه إنه يحب أن يستمع إلى صوت فيروز في ألحان أخرى غير تلك التي يضعها لها الأخوان رحباني، لأنها الحان تعتمد على الصناعة، ولا تخاطب الإحساس، كما روى الكاتب محمد السيد شوشة، في كتابه "فيروز المطربة الخجول"، 1956، ولم تسجل فيروز طوال إقامتها في مصر أية أغنية لملحن مصري.


وفي القاهرة أيضا عرض عليها المخرج كامل التلمساني - الذي اصبح فيما بعد مستشارا للأخوين رحباني - بطولة فيلم من إخراجه لكنها اعتذرت، وقبلها بعامين، في بيروت، عرض عليها المطرب عبد العزيز محمود مشاركته بطولة فيلم غنائي، لكنها اعتذرت كما اعتذرت عن عرض مماثل قدمه لها الفنان أنور وجدي، مكتشف الطفلة المعجزة فيروز، التي تصغير فيروز اللبنانية بخمسة أعوام، بحسب مجلة "الكواكب" في عددها بتاريخ 28 أبريل 1953، عندما نشرت تحقيقا من بيروت بقلم الكاتب اللبناني الكبير سليم اللوزي، بعنوان: "ثلاثة أصوات حائرة من الشام"، يضع فيه فيروز في مقاربة مع كل من نجاح سلام، وسعاد محمد، وكيف أن الأخيرتين كونتا ثروة مكنت كل منهما من شراء عمارة سكنية في بيروت، وذلك بعد عملهما بالغناء والسينما في القاهرة، في الوقت الذي تعتذر فيه فيروز عن العروض التي تأتيها من القاهرة. 


وقال اللوزي: "وكسب فيروز متواضع جدا، إذا قيس بكسب المغنيات الأخريات، والسبب أنها لا تغني فوق المسرح، فهي شديدة الخجل تتعثر تحت وطأة أي نظرة، ولو كانت نظرة أبوية، ولعل هذا السبب هو الذي جعلها تعتذر عن العروض السينمائية المغرية، من أنور وجدي، وعبد العزيز محمود، فهي تقول ـ وقولها حق ـ إنها لا تزال صغيرة لا تقوى على الوقوف أمام أضواء الكاميرا، ثم هي لا تريد أن تقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها غيرها، فتذهب إلى القاهرة قبل أن يكتمل لها التكوين الفني والثقافي، ولا تزال فيروز طالبة تتلقى دروسها العلمية في النهار وتحفظ الألحان الجديدة التي يضعها لها الأخوان رحباني في المساء".


عشرات الأغاني ولا أغنية عن مصر!


من بين الثمانية والأربعين عملا التي سجلتها فيروز في "صوت العرب"، قصيدة "سوف أحيا"، من شعر مرسي جميل عزيز، وقصيدة "مرحبا" للشاعر محمود حسن إسماعيل، وقصيدة ثالثة لشاعر مصري يدعى أمين شوقي، عنوانها "ليالي القمر"، وشارك كارم محمود مع فيروز في غناء ثلاث صور غنائية هي: "زرياب"، و"حكايات الربيع"، و"راجعوان"، كما شاركها الفنان محمد الطوخي بالغناء في "غرباء"، وشاركت الفنانة كريمة مختار بالتمثيل في البرنامج الغنائي  "الربع الأخضر"، وكانت جميع الألحان للأخوين رحباني.


وخلال إقامتهم في مصر استأجرت لهم إذاعة "صوت العرب"، منزلا في جزيرة الزمالك، على ضفاف النيل، وألهمها ذلك أكثر من أغنية وصفية عن النيل، والمراكب بأشرعتها البيضاء، التي تجيء وتروح، من بين تلك الأعمال "تانجو" تقول كلماته:  "بيتنا في الجزيرة على ضفاف النيل / أفياؤه الوثيرة ينسجها النخيل / شباكه موله بالفلك المطلة / مقبلة من معبر بعيد/ تمر من أمامي بيضاء كالغمام / أجنحة في موكب سعيد".


ضفاف النيل كانت حاضرة أيضا في الصورة الغنائية "أرضنا أنشودة الزمان"، التي جاء في بعض أبياتها: "وضفاف النيل جنة العذارى المرحات / منشدات للأماني البيض أحلى النغمات / للهوى يزهر في أفياء تلك الشجرات / لشراع الأسمر الصياد بالأحلام آتي / تلك مدينتا مليء العين تلوح / تلك مدينتنا أبنية وصروح / صوت مصانعنا يا نغم العمران / نسجك يسمعنا أغنية البنيان / حيتي يا سواعد الشباب بعزمها تطوع الحديد / حيتي يا رافعة القباب مدلة على الفضا البعيد / لضجة المصانع لحني وللقباب / فيض دخان طالع يعانق السحاب / بلادي اسمعي وبالمنى ارتعي / لكل ممتع يقودك الشباب".


وخارج إطار المراكب النيلية والأشرعة، لم يقدم الأخوان أية أغنية عن مصر أو عن مدينة القاهرة، رغم وجودهم في ضيافتها، وإقامتهم فيها لفترة امتدت لنحو ستة أشهر، بل المدهش أن الأخوين رحباني، أعادا تقديم أغنية "دار السلام" التي تتغنى بمدينة بغداد، بصوت فيروز، التي كانت سجلتها  قبل عام في الإذاعة اللبنانية بمناسبة زيارة الملك فيصل الثاني، ملك العراق إلي بيروت.


قد نتفهم موقهم ذلك في تخوفهم من غضب الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون، نظرا لأنه كان في حالة خصام أو قطيعة مع الزعيم جمال عبد الناصر، ومشروعه القومي العروبي، ويقال إن الأخوين رحباني وفيروز عام 1956، فكروا في تقديم أغنية لدعم مصر، خلال العدوان الثلاثي، وتراجعا أيضا خوفا من إغضاب شمعون، الذي لم يشجب العدوان، ولم يتضامن مع مصر في العدوان عليها، وإن كان الأخوان رحباني ومعهم مجموعة كبيرة من الفنانين اللبنانيين والعرب، قدموا استقالة جماعية من إذاعة الشرق الأدنى البريطانية، أثناء العدوان الثلاثي اعتراضا على موقف الإذاعة من الحرب على مصر، ما تسبب في غلقها.


غادرت فيروز القاهرة هي والأخوان رحباني في أغسطس وعادت إلى لبنان وهي تحمل أجمل ذكرى لها من مصر، فقد حدث أن اشتكت لصديقتها الإذاعية آمال فهمي، من أعراض غريبة تشعر بها ولا تدري سببا لها، فأخذتها آمال إلى مستشفى الدكتور يسري جوهر، الذي زفّ إليها الخبر السعيد، بأنها حامل في طفل على الأرجح سيكون فنانا كما والدته ووالده، وقد كان بالفعل، فالطفل هو الفنان زياد رحباني.


فيروز في مصر بدون غناء 1966


قبل وصول فيروز إلي القاهرة نشرت مجلة "الإذاعة والسينما والتليفزيون والمسرح والسياحة"، في عددها الصادر في 18 يونيو 1966، حوارا أجراه مراسلها في بيروت، مع فيروز وعاصي، عن تلهفهما لزيارة القاهرة، جاء فيه: "ينتظر أن تقوم المطربة فيروز بالبطولة الغنائية في فيلم بالألوان تنتجه مصلحة الاستعلامات، عن منجزات الثورة ويخرجه كمال عطية. 


كما ستغني فيروز أغنية وطنية من تلحين محمد الموجي، وتوزيع الأخوين رحباني يقول مطلعها: "أول ما نبدي القول نصلي ع النبي، نبي عربي واحناه وراه عربان"، كما نشرت مجلة "السينما والعجائب" اللبنانية، في شهر أغسطس خبرا يقول إن الأخوين رحباني، سيقومان بتأليف وتلحين أغنية عن السد العالي، لتغنيها فيروز يقدمونها هدية إلى مصر، غير أن هذه المشاريع لم تتحقق.


في السادسة من مساء الجمعة 14 أكتوبر 1966 رست الباخرة القادمة من بيروت، وتحمل على متنها فيروز وعاصي ومنصور وهدى شقيقة فيروز، بميناء الإسكندرية، لقضاء عشرة أيام في القاهرة، بدعوة من "وزارة الإرشاد" المصرية، وهي وزارة الثقافة حاليا. 


وكان في استقبال فيروز على رصيف الميناء، جمع غفير من الجمهور الذي صفق وهتف لها عند نزولها من الباخرة، بعد معرفتهم بموعد وصولها من الجرائد، وكان في استقبالهم أيضا ممثلون عن وزارة الإرشاد اصطحبوهم إلى السيارات التي أقلتهم للقاهرة، وتحديدا إلى فندق "النيل"، الذي يطل على نهر النيل، من كورنيش جاردن سيتي.


وكان مفترض أن يصلوا إلى مصر قبل ذلك الموعد بأشهر، لولا ارتباطهم بتصوير فيلم "سفر برلك"، مع المخرج هنري بركات في لبنان، ثم ارتباطهم مع مهرجانات بعلبك، لتقديم مسرحية "أيام فخر الدين" في ذلك العام.


وكانت أقاويل ترددت قبل أشهر، عن منع أغنيات فيروز في الإذاعة المصرية، وحول هذه النقطة تحديدا كتبت مجلة "المصور"، في عددها الصدار بتاريخ 12 أكتوبر 1966: "ووراء زيارة فيروز للقاهرة قصة لعبت المصور فيها دورا مهما، فقد كتبت أكثر من مرة عن الإحساس الكامن لديها ولدى الكثيرين من أن مصر لا ترحب بفيروز، أو أن هناك قرارا بمنع أغانيها في مصر، أو أي شيء من هذا القبيل". 


وقالت "المصور"، أكثر من مرة، أن هذا الإحساس غير صحيح، وأنه إذا كانت هناك في هذا المجال مواقف فردية، من بعض الناس، فليس في الأمر موقف من مصر الجمهور، أو مصر الدولة، وفى شهر مايو الماضي أثارت "المصور"، هذه القضية بطريقة أدت إلى اتخاذ خطوات إيجابية. 


وفي 27 مايو أعلنت "المصور"  لقرائها هذا النبأ: "في هذا الأسبوع تفضل السيد أمين هويدي، وزير الإرشاد القومي، فأكد لنا أن فيروز وأغانيها غير ممنوعين في مصر، وأنه تأكيد لهذا المعنى، وقطعا لكل شك، هناك دعوة رسمية في طريقها الآن إلى فيروز والأخوين رحباني لزيارة الجمهورية العربية المتحدة".


وصاحب المقال في مجلة "المصور"، كان الكاتب الكبير محمود أمين العالم، المدهش في الأمر أني عثرت على مقال للكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين، يروي فيه دورا لعبه في القضية نفسها، حيث يقول في مقال له نشر بجريدة الأهرام، في الحادي والعشرين من أكتوبر 1982: "بعد الانفصال بين مصر وسورية، فوجئت بمقاطعة شاملة لأغاني فيروز، وفيروز والرحابنة، أعزاء عليّ شخصيا وفنيا، واعتز بأنني عودت آذانا مصرية كثيرة على تذوق فنهم الجميل، وكنت مرة في بيروت، وفي بيتهم في قرية أنطلياس، حين شكوا لي بألم من ذلك، وسألتهم عن السبب.. فيروز والرحابنة تعرفوا في دمشق، وغنوا لأول مرة في دمشق، حين لم يكن في بيروت إذاعة تذكر، وفي سبتمبر من كل سنة يُفتتح معرض دمشق الدولي بليلة تغنيها فيروز في دمشق، منذ عشرات السنين". 


وأضاف: "في أول سبتمبر بعد الانفصال، قامت فيروز بعملها الروتيني وغنت في افتتاح معرض دمشق. وأسرعت الأجهزة النشطة دائما إلى قطع دابر فيروز من كل موجة إذاعية أو جريدة مصرية، وأخلت الدكاكين من أسطواناتها، وعدت إلى القاهرة وكان وزير الإعلام الجديد أمين هويدي، قد تسلم منصبه، ورويت له هذه القصة محتجا، وقلت له إنني لا أتصور أن جمال عبد الناصر يفعل ذلك، وإذا حدث فإنه مخطئ، فهذا فن عربي وليس موقفا سياسيا، وأمل فيروز الأكبر هي والرحبانية، أن يقدموا أوبرا مصرية الموضوع في القاهرة ولكنهم ممنوعون من الحضور".

 

وتابع: "في الصباح التالي كان سراح فيروز قد أطلق، وعاد صوتها يغرّد ووجهت دعوة إليهم، لزيارة مصر وجاؤوا، وطافوا بالأماكن التي يمكن أن يقدم عليها عمل كبير، من قاعة جمال عبد الناصر في جامعة القاهرة، إلي مسرح أبي  الهول في الأهرامات، وقبل أن تصل فيروز إلى القاهرة، كانت قد تلقت ثلاث دعوات رسمية، الأولى من الدكتور محمد عبد القادر حاتم، والثانية من أمين هويدي، أما الثالثة فكانت في الشهر الماضي (بعد التعديل الوزاري) من وزير الإرشاد الجديد محمد فائق". 


وقالت فيروز في عدد "المصور" نفسه، ضمن حوار أجرته معها ومع عاصي، أستاذتنا سكينة السادات: "جئنا إلى القاهرة بدعوة من وزارة الإرشاد، وقد كنا ننوي المجيء بعد توجيه الدعوة مباشرة، قبل هذا الموعد بثلاثة أشهر، لولا ارتباطنا بمهرجان بعلبك، وعندما انتهينا منه انتهزنا أول فرصة وجئنا إلى القاهرة الحبيبة، التي نحمل لنا أعز الذكريات والتي بها قمة الفن أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وقد غمرتونا بحبكم وتقديركم وعطفكم في  القاهرة، ونحن فخورون بهذا كل الفخر". 


وأضافت: "مع التليفزيون العربي تدور مفاوضات الآن حول بعض التسجيلات، وكذلك مع إذاعات القاهرة والشرق الأوسط وصوت العرب، ويدرس الآن الأستاذ منصور رواية عودة الروح، للأستاذ توفيق الحكيم، المنتظر تقديمها كمسرحية غنائية فى الموسم القادم، ويقول زوجى عاصي إن المسرحية لا بد لها من دراسة عميقة، لأن نقلها إلى مسرحية غنائية يتطلب وقتا واتقانا، ولم يبت في هذا الأمر بعد، ومن رأي عاصي أيضا أن العمل الكبير الذي يجب أن نقدمه في القاهرة لا بد أن يكون مسرحية غنائية".


وقال عاصى الرحبانى: "من أهم أهداف زيارتنا للقاهرة، إضافة إلى مشاهدة كل ألوان النشاط الثقافى والفنى ورؤية الأصدقاء والفنانين الأعزاء، والاستماع إلى كل ألحان الشيخ سيد درويش، وقد قررت أن نخصص لهذا الأمر مجموعة ليال، وسنقوم بتسجيل بعض هذا التراث على شريط لاختيار الألحان المناسبة للتوزيع والغناء، وألحان الشيخ سيد درويش نعتبرها قمة من قمم الفن، ليس فى زمنه فحسب بل بعد مائة سنة من الآن".


وفجر عاصي مفاجأة في الحوار، عندما صرح بأن أبيه وُلد في مصر، فقال: "والدنا حنا عاصى الرحبانى من حى عين السنديانة فى الشوير، ينتمى فى أصل جدوده إلى قرية رحبة فى عكار، غير أن والديه هاجرا إلى مصر، إبّان موجة الهجرة اللبنانية، إثر أحداث 1860 هربا من جور العثمانيين، وهناك ولد فى قرية تسمى قحافة بجوار طنطا، وأتذكر أن ولادتى كانت فى العام الذى وقعت فيه ثورة عرابى باشا 1882، ثم جاء فتى إلى حى الرميل في بيروت".


برنامج الزيارة الرسمي

 

استقبلت فيروز والأخوان رحباني في مصر، استقبالا حافلا جماهيريا ورسميا، ومن زملائهما الفنانين حتى أن الموسيقار محمد عبد الوهاب كان في لندن بصحبة الفنان عبد الحليم حافظ، الذي كان يجري فحوصات طبية هناك، وعندما وصلت إليه برقية تفيد بوصولهم إلى القاهرة، قطع زيارته إلى لندن وعاد بالطائرة ليكون في استقبالهم.


وجاء برنامج الزيارة الرسمي، الذي اعدته لهما وزارة الارشاد كالتالي: أولا زيارة مصانع الحديد والصلب في حلوان، وثانيا زيارة مدينة الفنون بالهرم التي تضم معاهد البالية والسينما والتمثيل والكونسير فاتوار والفنون الشعبية ومدينة السينما، ثالثا مشاهدة عرض فرقة رضا للفنون الشعبية في مسرح البالون، وهو العرض الذي أعجبت فيروز به بشكل كبير، فبعد مشاهدتها العرض كانت تمازح شقيقتها هدى فى السيارة، وهم عائدون إلى الفندق، وتغني لها أغنية الفرقة "يا حلاوة ع الكربنة يا حلاوة ع الكرنبة.. ودي مشية بنت العمدة يا حلاوة ع الكرنبة"، وهي تتمايل كما فتيات فرقة رضا، ثم تغرق في موجة من الضحك.


وشمل البرنامج أيضا: مشاهدة عرض أوبريت "هدية العمر"، للموسيقار محمد الموجي على مسرح دار الأوبرا الخديوية، ومشهادة عرض الصوت والضوء عند أهرامات الجيزة وفي قلعة صلاح الدين، وقد أخذ عاصي بروعة عرض الأهرامات، فقال إنه يحلم أن تقوم فيروز بدور إيزيس في مسرحية غنائية يكتبها وشقيقه منصور، عن الأسطورة المصرية "إيزيس وأوزيريس"، وتقدم على مسرح يقام في المكان نفسه، وللأسف الشديد لم يتحقق الحلم، وإن كانت فيروز غنت في المكان نفسه عام 1989، لكن بعد رحيل عاصي، بالإضافة إلى زيارة استديوهات السينما في القاهرة، ةمشاهدة عروض المسارح المختلفة، المسرح القومي، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي ، والمسرح العالمي، بالإضافة إلى زيارة بعض شعراء مصر، ومن بينهم صلاح عبد الصبور وصلاح جاهين.


بالإضافة إلى هذا البرنامج الرسمي، زارت فيرو، سيدة الغناء العربي أم كلثوم، في منزل الأخيرة بالزمالك، وكانت بمفردها، وزار الأربعة فيروز وهدى وعاصى ومنصور، الموسيقار محمد عبد الوهاب فى شقته بالزمالك، مرتين، الأولى تناولوا معه القهوة، وفي اليوم التالي دعاهم على مأدبة غداء، فى حضور يوسف وهبى، والصحفى كمال الملاخ والمطرب سيد إسماعيل. 


وسجلت فيروز سهرة تليفزيونية مع المذيعة سلوى حجازى، في برنامج "نجمك المفضل"، بحضور عاصى ومنصور وهدى، وفي البداية رفضت فيروز بإصرار وجود الجمهور معها في الاستديو بسبب خجلها الشديد، وبعد إلحاح وافقت، وعادت وسجلت لقاءً إذاعيا مع عاصي ومنصور، مع الإذاعية آمال فهمي، مدته ساعتين في إذاعة الشرق الأوسط، وتحدد موعد لعرض أول أفلامها "بياع الخواتم"، للمخرج يوسف شاهين في القاهرة نهاية زيارتهم للقاهرة.


وأقامت مجلة "الكواكب"، ندوة فنية لفيروز والآخوين رحباني، أعدها وأدارها الكاتب رجاء النقاش تحت عنوان: " ماذا قدم فيروز والرحباني إلى الفن العربي"، وحضرتها الفنانات هدى سلطان وحورية حسن، والموسيقار محمد الموجي، والكاتب مصطفى محمود، والشاعر صالح جودت، والمخرج عبد الرحمن الخميسى، والصحفية صافيناز كاظم، والرسام جمال كامل، وحلمي التوني، وفؤاد شبل، وأحمد شفيق أبو عوف، وسليمان جميل، ومحمد عفيفي، الذي أطلق تعبيرا طريفا في الندوة قال فيه: "إذا كان سيد درويش خلع العمامة عن الموسيقى العربية، فإن محمد عبد الوهاب ألبسها بدلة سكوتش، في حين أرسلها الرحبانية لتستكمل دراستها في الكونسير فاتوار!".


أما عن المشاريع التي تم طرحها، والاتفاق على تقديمها في العام التالي، كان اولها كما ذكرنا، تقديم مسرحية غنائية عن "عودة الروح" بطولة فيروز على مسرح البالون، يشارك فيها فنانون من مصر، ويشارك محمد عبد الوهاب بوضع لحن لفيروز في المسرحية، وتقديم فيلم غنائي عن القضية الفلسطينية، يحمل عنوان: "بوابة الدموع" بطولة فيروز، وتقديم استعراض كبير ربما عند الاهرامات، تغني فيه فيروز مختارات جديدة، لم تقدمها من قبل لأعمال سيد درويش بتوزيع جديد للاخوين رحباني.


المدهش في أمر هذه الزيارة انها لم تتضمن عرضا لفيروز بالغناء على احد مسارح القاهرة وقد كان ذلك أمرا يسيرا على الاخوين رحباني لانهما كانا قد قدما مع فيروز في بداية العام نفسه عدة حفلات في الكويت  تضمنت منوعات غنائية وبعد عودتهما من مصرباسابيع  قدما برنامج منوعات غنائية آخر في معرض دمشق الدولي ، اي ان البرنامج كان شبه جاهز تقريبا ، ولا تفسير للامر، كما لم تتحقق اي من هذه المشاريع الفنية في العام التالي ربما بسبب حدوث حرب 1967 ، لكن بعد ذلك ظلت الاخبار تنشر في الصحف المصرية عن حضور فيروز لمصر لتقديم عروض احدى مسرحياتها في القاهرة او انها على وشك الحضور للغناء عند اهرامات الجيزة ، دون ان يتم شئ من ذلك ، ماوضع علامات استفهام كبيرة حول الأمر.


كتب راجي عنايت مقالا في "الكواكب" تحت عنوان: "فيروز وعقبات غير مفهومة!" في يونيو 1971، يتساءل فيه عن الأسباب التي تمنع فيروز من الغناء في مصر، أو عرض إحدى مسرحياتها على مسارح القاهرة، جاء فيه: "منذ بداية عام 1967 وأنا أحاول أن أبحث عن العقبات التي تمنع مسرحيات الرحبانية من الوصول إلى جمهورنا، ولقد سعيت مبادرا إلى دراسة هذه العقبات أكثر من مرة مع عاصي، ومنصور الرحباني وأحسست دائما أن حماس الرحبانية، لتقديم عروضهم المسرحية في القاهرة، لم تخفت رغم المحاولات الفاشلة العديدة التي بذلت لتحقيق هذا الحلم، والعقبات نوعان، نوع مادي يتصل بمصاريف سفر وإقامة الفرقة، وأجور الفنانين فالفرقة هي فرقة خاصة لا تعتمد على دعم حكومي، لا بد لها أن تدفع أجور المتعاملين معها أو بعض هذه الأجور بالعملة اللبنانية". 


وأضاف: "في هذا الصدد أبدى عاصي رحباني استعداده لكافة التنازلات الممكنة وقبل تخفيض المبالغ المدفوعة بالعملة الصعبة إلى أقل القليل، بل وأبدى في إحدى المرات استعداده لأن يتم دفع هذا القليل في شكل خدمات تستفيد بها في إنتاجهم السينمائي، كما أبدى استعدادا لمراجعة نصوص المسرحيات، التي يقدمها حتى يعالج اللهجة اللبنانية بحيث تصبح مفهومة عند المتفرج المصري، والنوع الثاني من العقبات غير مفهوم، تبدأ الاتصالات وترتفع حرارة الموافقات والاتفاقات وفجأة يصاب هذا جميعه بسكتة قلبية لاحس ولا خبر!".


وتابع: "هذه العقبة بالذات هي التي تملأ نفس الرحبانية بالمرارة، شعور يتعمق في نفوسهم، وإن كانوا لا يفصحون عنه بأن القاهرة لا تريدهم، قلت لهم إن هذا الشعور لا أساس له من الصحة، وأن تشوق الجمهور المصري لفنهم ولفيروز لا يمكن أن يكون محل شك، فالقاهرة التي فتحت ذراعيها دائما للفنان العربي من كل قطر وفي أي وقت، لا يمكن أن تنتقص من فن فيروز والرحبانية، أو أن تعرض عنه، لقد تعب الرحبانية من فرط ما وافقوا وتنازلوا بدون أمل، وتعبوا من توالي أصحاب العروض المختلفة الرسميين وغير الرسميين، تلك العروض التي لاتتحقق أبدا".


انتهى كلام راجي عنايت، وقد عثرت على قصاصة تجلي بعضا من حقيقة عدم حضور الرحابنة إلى مصر، وتنفيذ المشاريع التي طرحت خلال زيارتهم للقاهرة عام 1966، وهي تخص تحديدا إعادة تقديم أعمال لسيد درويش بتوزيع الأخوين رحباني، وغناء فيروز على مسارح القاهرة، فقد نشر محمد على حماد رئيس جمعية "أصدقاء موسيقى سيد درويش"، مقالة بجريدة "الاخبار"، بتاريخ 29 اكتوبر 1976 يوضح فيها أسباب فشل هذا المشروع الفني، ويذكر فيها وقائع مغايرة لما ذكره الكاتب راجي عنايت، فيقول محمد على حماد: "في سنة 1968 بدأت وزارة الثقافة حركة جادة لجمع وتسجيل تراث الموسيقار الخالد سيد درويش، وشكلت لجنة لهذا الغرض بأمر الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة في ذلك الحين، ورؤى أن يواكب ذلك العمل القومي الكبير، إعداد استعراض غنائي راقص من الحان وموسيقى الموسيقار الكبير". 


وأضاف: "كلف الفنان سعد أردش بالإشراف على هذا الاستعراض وإخراجه للمسرح، ورأى وزير الثقافة أن تشكل لهذا الاستعراض فرقة خاصة من أمهر الفنانين المصريين من مطربين وعازفين وراقصين ومنشدين، وتطوف الفرقة بهذا الاستعراض الضخم البلاد الشقيقة، جميعا مبشرة بالفن المصري العريق فن سيد درويش، واقترح أن يكون على رأس هذه الفرقة المطربة فيروز، على أن يُعهد للأخوين رحباني توزيع موسيقى هذا العمل الفني الضخم، على نحو ما فعلوه في اغنيات "زوروني" و"الحلوة دي" و"طلعت يا محلا نورها"، وغيرها، وطلب من جمعية "أصدقاء سيد درويش" تسجيل مختارات من ألحان سيد درويش، من أرشيفها الخاص ليختار منها الأخوان رحباني ما هو صالح للاستعراض المطلوب". 


وتابع: "سجلت الجمعية نحو 70 لحنا على أشرطة خاصة، حملها سعد أردش وذهب بها إلى بيروت لمفاوضة الأخوين رحباني، وعاد بعد أسبوعين رافعا تقريرا إلى الوزير يتضمن شروط الأخوين رحباني وهي: طلبوا ألف جنيه لهم ولفيروز، عن كل حفل من حفلات الاستعراض، تقام في القاهرة، كما طلبوا عشرين ألف جنيه مقابل التوزيع الموسيقي للاستعراض، وطلبوا أن يكون لهم وحدهم حق بيع تسجيل الاستعراض، لإذاعات وتليفزيونات العالم العربي، وحق بيع التسجيل الميكانيكي على شرائط، أو أسطوانات لشركات الأسطوانات في العالم العربي، وعلق وزير الثقافة على هذه الطلبات المتواضعة قائلا إن الأخوين رحباني يطلبون الاستيلاء على تراث سيد درويش، وعشرين ألف جنيه كمان فوق البيعة، وانتهت المفاوضات عند هذا الحد".


فيروز تغني في حديقة الأندلس 1976

 

غنت فيروز للمرة الاولى في مصر، فأحيت 4 حفلات في حديقة الأندلس على ضفاف نيل القاهرة، في أكتوبر من عام 1976، وكانت المرة الأولى والأخيرة، التي تغني فيها بمصر مع الأخوين رحباني، والفرقة الشعبية اللبنانية، وكان غناؤها ثمرة مفاوضات استمرت لثلاثة أعوام بينها وبين المتعهد يوسف الحاج، الذي كان استأجر مسرحا أقيم في حديقة الأندلس، لتقدم عليه فرقة "الكوميدي شو"، عروضها من إخراج السيد راضي. 


وافتتحت فيروز حفلاتها بقصيدة تحية لمصر، خصوصا أن الاحتفالات كانت قائمة بذكرى انتصارات حرب اكتوبر، وتضمن عنوان الأغنية إشارة إلى ذلك، غنت فيروز: "مصر عادت شمسك الذهب / تحمل الارض وتغترب / كتب النيل على شطه / قصصا بالحب تلتهب"، من كلمات وألحان الأخوين رحباني. 


وجاء برنامج الحفلات مشابها لما قدمته فيروز في العام نفسه بحفلاتها المنوعة، في بغداد، ومعرض دمشق الدولي، باستثناء تقديمها لأغنية محمد عبد الوهاب "خايف أقول إللي في قلبي"، وغنّت أيضا أغنيتها الجديدة "بحبك يا لبنان"، في الوقت الذي كانت تنعقد فيه على الضفة الأخرى، من النيل قمة عربية في مبنى جامعة الدول العربية، لبحث الأزمة اللبنانية، وبحسب ما كتب الصحفي محمد بديع سربية في "الموعد" وقتها: "كان مقررا أن ينتقل الرؤساء والملوك العرب المشاركين في القمة، إلى الضفة الأخرى من النيل، لحضور إحدى حفلات فيروز الأربع، تحديدا الحفلة التي اقيمت ليل الثلاثاء، لولا أن جلسة القمة تأخرت لما بعد الحادية عشر مساء، فيما تبدأ الحفلة قبل ذلك الوقت بكثير، وبالتالي أفلتت من فيروز فرصة لتكتسب عن جدارة لقب مطربة الملوك والأمراء والرؤساء".


الكاتب الكبير يوسف السباعي دعا فيروز لحفل تكريم خلال تلك الزيارة، باسم "جمعية كتاب ونقاد السينما"، التي كان يرأسها، وأقيم الحفل في منبى مؤسسة "الأهرام"، التي كان يرأس السباعي تحريرها، ومجلس إدارتها أيضا، وأهدى فيروز جائزة التقدير الذهبية باسم الجمعية، كما أهداها تمثال إيزيس ربه الوفاء والسحر والجمال، التي جمعت بين لبنان ومصر منذ فجر التاريخ.


وقبل أن تغادر فيروز والأخوان رحباني، تلقوا عرضين الأول من المنتج رمسيس نجيب، الذي اشترى حقوق عرض حفلات فيروز في مصر تليفزيونيا، لإعادة تقديم مسرحية "صح النوم" في القاهرة، في العام التالي، بعد تمصير كلماتها ليسهل على الجمهور المصري فهم معانيها، والثاني من المتعهد الذي تحدثنا عنه يوسف الحاج، لتقديم نفس العروض مجددا على نفس المسرح، في العام التالي بالإضافة إلى حفلات غنائية أخرى عند سفح أهرامات الجيزة.


ولكن ما أن غادرت فيروز مصر حتى بدأت الصحف في الكتابة عن عملية تهرب ضريبي، حدثت من قبل متعهد الحفلات، الذي سجلها صوريا باسم جمعية "اتحاد طلاب المعاهد الفنية بالمطرية"، للحصول على إعفاءات، كما أن الاتحاد اتفق مع الضرائب على أن يكون سعر التذكرة من الدرجة الأولى بـ16 جنيها، ثم بيعت بخمسين جنيها، ما دعا الضرائب لإلغاء الإعفاءات، وطالبت الضرائب بـ13 ألف جنيه.


المدهش أن الأمر نفسه تكرر مع فيروز، عندما حضرت إلى مصر للمرة الثانية، للغناء وإحياء ثلاث حفلات، عند أهرامات الجيزة، في صيف عام 1989، فقد تسبب متعهدها في مشاكل لا حصر لها مع الضرائب.


شهدت تلك الزيارة العديد من المشاكل الكفيلة بإحباط أكبر مطربي العالم، فلم يوفر المتعهد الميكروفونات الصالحة لخشبة المسرح، وتحديدا الميكروفون الخاص بالسيدة فيروز، وتبرع الفنان محمد نوح بأجهزة من الاستديو الخاص به، لإنقاذ الموقف. 


وعندما صعدت فيروز لتغني في الحفلة الأولى، اكتشفت أن الميكرفون به عطل تقني، حيث كان يصدر طنينا وضوضاء، خلال أدائها لوصلتها الغنائية، وهذه المرة الأولى والأخيرة، التي حدث فيها هذا الأمر معها. 


وفي الليلة الثالثة باع متعهد الحفلات مئات التذاكر، التي تفوق استيعاب عدد مقاعد المسرح، وساد هرج ومرج بين الجمهور، وحرر عدد كبير منهم محاضر ضده في الشرطة، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فبعد تصريح الكاتب الصحفي مفيد فوزي، رئيس تحرير مجلة "صباح الخير"، وقتها، للتلفزيون المصري بأنه يعشق صوت فيروز، ويفضله على صوت أم كلثوم، فتعرضت السيدة فيروز لحملة تجريح طالتها في معظم الصحف المصرية، معتبرين ذلك تعديا على أم كلثوم، وتعاملوا مع فيروز كأنها من أطلقت تلك التصريحات. 


وكُتبت المقالات المهاجمة لفيروز دون داع، ودون ذنب جنته، ومن بينها ما كتبه الصحفي الساخر الراحل محمود السعدني، قائلا: "المقارنة بين صوت فيروز وصوت أم كلثوم، كالمقارنة بين عضلات العبد لله ومحمد على كلاي"، ما جعل ابنتها ريمة تقوم بإخفاء تلك المقالات عن والدتها حتى انتهاء الحفلات".


وباستثناء غناء فيروز لأغنيتي سيد درويش: "أهو ده اللي صار"، و"شط أسكندرية"، ومقطع من قصيدة "مصر عادت شمسك الذهب"، جاءت برامج الحفلات، قريبة من البرنامج الذى قدمته فيروز بحفل مسرح "بيرسي"، فى باريس خلال العام السابق.


وتركت تلك الأحداث التي واكبت حفلات فيروز في القاهرة، أثرا نفسيا سيئا لديها ما جعلها تشعر بتوجس من الحضور، مرة أخرى، للغناء في مصر، رغم المفاوضات الكثيرة التي جرت معها من قبل متعهدين، ومن قبل دار الأوبرا المصرية، انتهت جميعها بالفشل، إما بسبب الأجر الباهظ الذي تتقاضاه فيروز لقاء حفلاتها، أو بسبب عدم ثقتها فيمن يفاوضها من جهة حسن التظيم والوفاء بالعهود.