الخميس 8 ديسمبر 2022

فيروز و«فيلمون وهبي».. مشوار حافل بالأغاني الناجحة

فن20-11-2020 | 23:08

أعطي الملحن اللبناني الكبير فيلمون وهبي (1918ـــ 1985) لصوت فيروز 26 أغنية، معظمها من أجمل ما غنت، من بينها 15 أغنية من تأليف وتوزيع وإشراف الأخوين رحباني غنتها في الفترة من 1962 وحتي 1976، وعشر أغنيات قدمها لها بعد انفصالها عنهما فنيا عام 1979 في الفترة من العام 1980 وحتى 1985 جميعها من شعر جوزيف حرب ما عدا واحدة فقط من شعر طلال حيدر، لا تزال هذه الأعمال حاضرة في الذاكرة اللبنانية والعربية فقد كان فيلمون هو الاستثناء الوحيد الذي شرع أمامه الأخوين رحباني أبواب صوت فيروز كملحن من خارج الأسرة الرحبانية، وكسرا خاصية احتكار صوت فيروز تجاهه خصوصا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، في الوقت الذي منحاه في واقعة استثنائية لمحمد عبد الوهاب ثلاثة ألحان فقط ومحمد محسن لحنا واحدا "سيد الهوي قمري"، ونجيب حنكش لحنا واحدا "أعطني الناي" .

 

 كان الأخوان عاصي منصور يعطياه أجمل نصوص الأغاني التي كتباها ضمن أعمالهما المسرحية التي كانت من أولها لآخرها تخصهما نصا وشعرا وموسيقي وكان الاستثناء دائما هو وجود لحنا لفيلمون، فلا مجال هنا للحديث عن ظلم أحاق بفيلمون من قبل الأخوين رحباني، أو غيرة فنيه منهما تجاهه .

 

يروي الفنان منصور الرحباني عن علاقته وعاصي بفليمون وهبي وكيف تعرفا إليه في كتاب "طريق النحل " للشاعر هنري زغيب يقول :" معرفتنا به تعود إلى وقت سحيق، كنا ذات يوم عاصي وأنا على باب دكان أبو عاصي في أنطلياس فدخل شاب ليشتري علبة سجائر فهمنا من حواره مع أبي بأنه مطرب وملحن، ثم غاب عنا وقتا طويلا لم نعد نعرف فيه شيئا عنه إلى أن صرنا نلتقي في أروقة الإذاعة اللبنانية ونلاحظ عنده ما نسمع عن روحه المرحة وحبه للنكتة والسخرية في تلك الفترة كنا نهيئ لتسجيل سلسلة سكتشات "سبع ومخول وبو فارس" وهي الشخصيات الباقية معنا من فارس" وهي الشخصيات الباقية معنا من الطفولة أيام كنا نري هذه النماذج في محيط المنيبيع، شويا، عين المياسة، حملايا، عين الخروجة، الزغرين ... وبقيت في بالنا حتي خرجت لاحقاً من دون وعي منا في شخصيات سبع ومخول وبو فارس" ويتابع منصور:" ذات يوم كنا نستعد لتسجيل اسكتش بعنوان "بارود اهربواش. كنت أمثل شخصية مخول، وعاصي شخصية أبو فارس. وأعطينا شخصية سبع لشاب كان يغني معنا في الكورس ولم اكن مرتاحاً لأدائه التمثيلي لأن شخصية سبع كانت مميزة وطريفة وتتطلب طواعية في التمثيل لم تكن موجودة مطلقاً لدي ذاك الشاب وهو في الأساس ليس ممثلاً محترفاً بل مغني كورس. يوم التسجيل - وربما من حسن الحظ وإتاحة لفرصة تاريخية سترافقنا طوال مسيرتنا الفنية - مرض ذاك الشاب وتغيب عن الإذاعة. فخطرت فجأة فكرة في بال عاصي فقال لي: شو رأيك نجرب فيلمون للدور"؟ وهكذا كان. وإذا بموهبة كوميدية مذهلة تنفتح أمامنا خلال التمرين مع فيلمون على شخصية "سبع". واذا بنا، من شخصيته هو تتبلور عندنا شخصية "سبع" اكثر فأكثر. ومنذ ذاك الحين بدأنا مع فيلمون تعاوناً فنياً طويلاً انطلق من اسكتشات "سبع ومخول" بلغت خمسة عشر اسكتشاً ثم نقلنا الشخصيتين معنا إلى المسرح والتلفزيون والسينما والكثير من أعمالنا الفنية اللاحقة".

 

 لا يخجل منصور من أن يعترف بالنجاح الكبير الذي حققته ألحان فيلمون على حنجرة فيروز فيذكر :"كان فيلمون محطة كبيرة في مسيرتنا الفنية. وله فضل كبير في نجاح أغان كثيرة في أعمالنا، كتبناها ولحنها هو وغنتها فيروز وهي بين أنجح أغانيها على الإطلاق".

 

زيت زيتون اللقاء الأول

 في أكثر من حوار صحفي أجري مع الأخوين رحباني في خمسينات القرن الماضي كانا دائما ما يذكرا أن فيروز غنت لعدد من الملحنين غيرهما، كانا يذكران من بينهم فيلمون وهبي الملحن اللبناني الكبير لكن أحدا لم يعرف أيه أغنية سجلت فيروز لفيلمون وهبي قبل "يا كرم العلالي" تحديدا في حقبة خمسينات القرن الماضي، حتي عثرت على حوار أجرته مجلة "الطليعة العربية" مع فيلمون نشر في الخامس من نوفمبر 1985 أي بعد رحيله بأيام في هذا الحوار يؤكد فيلمون أن أول تعارون بينه وبين فيروز كان في الإسكتش الفكاهي "زيت وزيتون" الذي هو من ألحانه حسب ما صرح للمجلة، وقد عثرت على اسم العمل هذا ضمن قائمة أوردها الملحن حليم الرومي في مذكراته الإذاعية بين خمسة عشر اسكتش كتبها أسعد سابا ولحنها فيلمون وهبي لحساب الإذاعة اللبنانية مطلع خمسينيات القرن الماضي والعمل يعد من بين مفقودات فيروز فقد كانت الإذاعة تقدم وقتها معظم برامجها على الهواء مباشرة، ولا يوجد تسجيل اليوم متوفر للإسكتش ولا نعرف اسم المقطوعة التي غنتها فيروز لفيلمون ضمنه.

 

كرم العلالي بين البعلبكية وحكاية الإسوارة

غير أن أول تعاون معروف ما بين فيلمون كملحن مع الأخوين رحباني كان في أول عمل مسرحي لهما وهو أوبريت "موسم العز" 1960 في مهرجانات بعلبك من بطولة صباح لا فيروز التي كانت حامل وقتها في ابنتها ليال ولم تتمكن من إحياء المهرجان ذلك العام، والأغنية الأولى في التعاون الرحباني الفيلموني كانت "يا إمي طل من الطاقة" للمطربة الكبيرة صباح، وفي العام التالي 1961 كان التلاقي ما بين صوت فيروز وألحان فيلمون وهبي حيث قدم لها لحن "يا كرم العلالي " غنته فيروز في مهرجانات بعلبك ضمن المنوعات الغنائية التي قدمتها تحت عنوان "البعلبكية" ثم غنته أيضا في معرض دمشق الدولي ذلك العام ضمن المنوعات الغنائية التي قدمتها مع الأخوين رحباني في دمشق، وأعيد تقديم أغنية "يا كرم العلالي" منتصف عام 1962 ضمن الأوبريت التليفزيوني "حكاية الإسوارة" " الذي قدمه الأخوين رحباني لحساب تليفزيون لبنان والمشرق عند افتتاحه .

 

اللقاء الثاني بين صوت فيروز وألحان فيلمون، كان في أوبريت "جسر القمر" الذي قدم في مهرجانات بعلبك ومهرجانات معرض دمشق الدولي 1962 حيث لحن فيلمون لفيروز "جايبلي سلام" إحدى أشهر وأحب أغنيات فيروز عند جمهورها، وقد حظيت هذه الأغنية بعد سنوات طوال بتكريم مميز، وذلك حين صدح صوت فيروز بها عبر مكبرات الصوت في كل أرجاء مدينة باريس ليلة احتفال فرنسا بمرور مائتي عام على انطلاق الثورة الفرنسية صيف عام 1989 جاء الأمر بمثابة مفاجأة للعرب المتابعين للاحتفال حين أنطلق صوت فيروز في كل الأرجاء هو ينشد :" أوف بكير طل الحب عا حي اللنا حامل معو توب وحكي ودمع وهنا كنا وكانوا هالبنات مجمعين يامي ومابعرف ليش نقاني أنا " إلى آخر الأغنية وكانت فيروز أحيت في شتاء عام 1988 حفلا في مسرح بيرسي استقبلت وقتها استقبالا حافلا من قبل الحكومة الفرنسية وقلدتها الحكومة الفرنسية وساما رفيعا.

 

في معرض دمشق الدولي عام 1963 وضمن المنوعات الغنائية التي قدمتها فيروز بعد عرض أوبريت "الليل والقنديل" قدمت عملها الثالث لفيلمون وهبي وهو الأغنية الشعبية "عالطاحونة شفتك عالطاحونة" على إيقاع الدبكة اللبنانية وقد بدأتها فيروز بموال جميل تقول فيه :"زينت بيتي بياسمين وعالهدا / صرت عتبتنا بحبك إوعدها / دبلت حواض الورد وإصفر الورق / ياخجلتي شو نطرتك وما في حدا"، لكن الموال حذف من الأغنية عند طبعها على إسطوانة للأسف الشديد .

 

في العام التالي 1964 لحن فيلمون لفيروز إحدى أشهر أغنياتها على الإطلاق "يا مرسال المراسيل" قدمتها ضمن أحداث أوبريت " بياع الخواتم" في مهرجانات الأرز الدولية ثم في معرض دمشق الدولي وأعاد المخرج الكبير يوسف شاهين تقديم الأوبريت في فيلم سينمائي العام التالي 1965 وقدمت الأغنية في الفيلم في نسخة تسجيل ستديو يختلف دور الكورس فيه عن تسجيلها الحي في الأرز ودمشق وقدمتها فيروز في حفلاتها في الكويت عام 1966 بأداء الكورس نفسه الذي ظهر في الفيلم.

 

فيلمون وهبي والموال البغدادي

في العام التالي 1966 قدم فيلمون أغنيتين دفعة واحدة لصوت فيروز الأولى هي "بكرم اللولو" التي أصدرتها شركة عبد الله شاهين في إسطوانة واحدة مع أغنية "يا حلو شو بخاف إني ضيعك" من كلمات وألحان الأخوين رحباني، وصورت الأغنية تليفزيونيا ضمن سهرة "ضيعة الأغاني" وعرضت في أبريل.

 

وفي صيف ذلك العام 1966 قدم فيلمون لفيروز أغنية "كتبنا وما كتبنا ويا خسارة ما كتبنا" ضمن أحداث المسرحية الغنائية الكبيرة "إيام فخر الدين" التي قدمت في مهرجانات بعلبك، غير أن الأخوان رحباني قاما بحذف الأغنية من المسرحية عند طبعها على إسطوانة تجارية ربما لطول زمن المسرحية فقد كانت أطول المسرحيات الغنائية زمنا للأخوين رحباني على الإطلاق، وقد غنتها فيروز غناء حيا في معرض دمشق الدولي في العام نفسه 1966 وكانت قدمتها في بعلبك بطريقة البلاي باك، تتضمن الأغنية موال بغدادي، تقول كلماته: "يا مالكين القلب لما النوي مالكن/ إلنا حباب اللي لنا مين ياتري مالكن/ عودوا قبل ما الجفا يغمر ليالي العمر/ غير الأحبة القدامى عالوفا مالكن"، وهذا واحد من مجموعة مواويل بغدادية قدمتها فيروز منها من الحان الأخوين رحباني في "ناس من ورق" موال "جينا على الدار تانشوف اللي حبونا" وايضا في نفس المسرحية موال "يا مركب الريح" وضمن أغنية "سيف المراجل حكم" في مسرحية "لولو" موال "داري الليالي وأيام الصفا دارها".

 

في عام 1968 قدم فيلمون لفيروز لحنين، الأول هو "طيري يا طيارة" في فيلم "بنت الحارس" للمخرج هنري بركات، والأغنية البديعة " فايق ياهوى" في إطار مسرحية "الشخص" عند تقديمها في معرض دمشق الدولي لأول مرة ، وفي العام التالي وفي مسرحية "جبال الصوان" التي قدمت في مهرجانات بعلبك وفي معرض دمشق الدولي غنت من ألحانه " صيف يا صيف عا جبهة حبيبي"، وفي عام 1970 ضمن مسرحية "يعيش يعيش" غنت فيروز من ألحان فيلمون " ليلة بترجع ياليل" وصورتها تليفزيونيا فيما بعد ضمن البرنامج التليفزيوني "سهرة" في ذلك العام.

 

لم يتعاون الرحابنة مع فيلمون في مسرحية "صح النوم" في عام 1970، وفي العام التالي 1971 وفي إطار عروض المسرحية الغنائية "ناس من ورق" في معرض دمشق الدولي لحن فيلمون لفيروز أغنية " لو فينا ننقي حبايبنا" غير أن الأخوين رحباني قاما باستبعاد الأغنية من عروض المسرحية نفسها عندما قدمت في بيروت شتاء 1972 في مسرح البيكاديللي، ورفضا تسجيلها في الاستديو، كما استبعداها من الأعمال المطبوعة على إسطوانات تجارية لأغاني المسرحية، وقاما بحجب الأغنية عن الإذاعات ما أثار غضب فيلمون فراح يهاجم عاصي ومنصور الرحباني وهددهما بتسجيل الأغنية بصوت سعاد محمد كما صرح لمجلة "الشبكة " وقتها، و يبدو أن السبب يعود إلى أن اللحن لم يعجب عاصي الرحباني، غير أن الأخوين رحباني عادا في عام 1979 بإطلاق الأغنية مجددا لكن بصوت المطربة رونزا في حفلاتهم في الأردن في ذلك العام .

 

وظلت الأغنية مجهولة ومغيبة بصوت فيروز لسنوات طويلة حتي أعادها إلى الحياة مجددا عشاق فيروز عبر شبكة الإنترنت في تسجيل مأخوذ من عروض دمشق، من خلال منتدى "زرياب" وأصبحت متوفرة في تسجيل غير نقي على غير موقع .

 

لم يتعاون فيلمون مع فيروز والأخوين رحباني في مسرحية "ناطورة المفاتيح" التي قدمت صيف 1972 في بعلبك، لكنهما في العام التالي 1973 صالحا فيلمون ومنحاه نص أغنية "يا دارة دوري فينا " ليلحنها ضمن المسرحية الغنائية "المحطة" التي قدمت في مسرح البيكاديللي في بيروت، وهناك واقعة تروي عن هذه الأغنية بأن السيدة سعدي أبي صعب والدة عاصي الرحباني قالت له بعد مشاهدتها المسرحية :" ليك تقبرني عاصي على هاللحن أحسن من هيك ما بقي فيه" معتقدة أن اللحن يعود لعاصي ومنصور، وأحمر وجه عاصي وهو يقول لوالدته :" هيدا مش لا إلنا هالقرد لحنه" وكان يقصد بالقرد فيلمون وهبي .

 

وفي ذلك العام 1973 وفي مهرجانات بعلبك الدولية ضمن المنوعات الغنائية "قصيدة حب" قدم فيلمون أيضا لفيروز لحن "علي جسر اللوزية".

 

 وعام 1974 وضمن المسرحية الغناية "لولو" في مسرح البيكاديللي غنت فيروز من ألحانه " من عز النوم بتسرقني"، وفي المنوعات الغنائية التي قدمتها فيروز في معرض دمشق الدولي عام 1976 قدم آخر لحن لفيروز من كلمات وتوزيع الأخوان رحباني، وهو " أنا خوفي من عتم الليل" .

 

في مجمل هذه الأغنيات بدا شيخ الملحنين اللبنانين سيدا للأغنية الشعبية الطربية لذا كانت أعماله لفيروز تبدو فاكهه كل مسرحية غنائية رحبانية يشارك بالتلحين فيها لفيروز أو لغيرها سواء كانت صباح أو حتي نصري شمس الدين .

 

يقول الناقد إلياس سحاب في كتابه "الموسيقا العربية في القرن العشرين" :" انطلق فيلمون وهبي، فيما يشهبه الانفجار الفني يزود حنجرة فيروز بسيل من الألحان التي لم يترك فيها واحدا من المقامات العربية ذات الأرباع الشديدة الطرب والشجن لم يستخرج منه لآلئ لحنية نادرة لحنجرة فيروز.، ويتابع : إن ألحان فيلمون كانت تلامس أثمن عنصرين في حنجرة فيروز وهما المساحات الوسطي والمنخفضة التي كانت برأيي أقوي وأجمل مساحاتها الصوتية وأكثرها تأثيرا عميقا في نفس المستمع، حيث كانت فيروز تبدو في تلك المساحات اكثر قدرة على استخراج أجمل ما في أعماقها من أحاسيس، ثانيا الإحساس المرهف بطاقة الشجن المتدفقة في المقامات العربية ذات الأرباع الصوتية التي كانت العجينة الوحيدة التي يصنع منها فيلمون خبز ألحانه، حتى أن من حضر التمارين على لحن "يا ريت منن " في إسطوانة "دهب أيلول" أحس بالذهول الذي أحدثه في نفس فيروز ارتجال عازف القانون المخضرم جورج أبيض على مقام البياتي، تقاسيم لم تكن موجودة أصلا في مقدمة اللحن فما كان من فيروز إلا أن طلبت تثبيت هذه التقاسيم، لأنها تضعها في ذروة الاندماج بمقام البياتي الذي يعتمد عليه لحن الأغنية قبل الشروع في الغناء " .

 

والحقيقة أنه إذا كان البعض يرى أن لحن فيلمون لفيروز في أي عمل مسرحي لفيروز هو "جوهرة التاج"، فان الأخوان في مواقع كثيرة حطما هذه المقولة، في نظر- كاتب هذه السطور- مثال في مسرحية "ناس من ورق" تفوق دور "رجعت ليالي زمان" للأخوين رحباني على "لوفينا ننقي حبايبنا" وفي المنوعات الغنائية "قصيدة حب " تفوقت الطقطوقة الشعبية "يا قلبي لا تتعب قلبك" للأخوين رحباني على طقطوقة "علي جسر اللوزية"، وفي "مسرحية "لولو" تفوقت "راجعين يا هوى" للأخوين رحباني على "من عز النوم بتسرقني " والحديث هنا عن الطقاطيق الشعبية الطربية فقط التي قدماها الأخوان رحباني في تلك الأعمال .

 

فيلمون مع فيروز من دون الأخوان رحباني

في العام 1979 وقبل انفصال فيروز وعاصي الرحباني بأسابيع قليلة صرح فيلمون وهبي لمجلة " الشبكة" أنه يقوم بتلحين أغنية "ياما وياما بتوصل المكاتيب" من شعر منصور رحباني لتغنيها فيروز، وقد لحنها فعلا لكن الأغنية ذهبت لحنجرة المطربة الصاعدة وقتها منى مرعشلي حيث قدمت في البرنامج التليفزيوني للأخوين رحباني "ساعة وغنية".

 

وبعد حدوث الانفصال الرحباني الفيروزي أطلقت فيروز أول إسطوانة غنائية لها دون الأخوين رحباني عام 1980 وهي "دهب أيلول" تضمنت أربع أغنيات من ألحان فيلمون وهبي وشعر جوزيف حرب هي : " ياريت منن" و" ورقوا الأصفر" و"طلعلي البكي" و"ياقوني شعبية"، وبدا أن فيلمون أنضم لصف فيروز في مواجهه الأخوين رحباني وقد تحدث وقتها عن فيروز للصحافة فقال :" عندما استمع إليها أشعر أنني في غيبوبة وتطريب وسحر أريدها أن تبقي فوق الجميع ولن أقبل أن تقع فيروز لقد بدأنا معا وهي وفية وأنا مثلها، صوتها غير شكل" .

 

بدورها تحدثت فيروز عن فيلمون لمجلة الشبكة ضمن تحقيق بعنوان "الجمهور المثقف يتحدث عن فيلمون" فقالت :" فيلمون شيخ الملحنين. بحب قول شغله عنو إنو بياخد العقل، وبحب شعرو وخطاباتو وتمثيلو، وشكلو وقت اللي بينسى حالو هوى وعم يسمعني اللحن. فيلمون خلق ضد الفشل، بس أنا بعرف فيلمون اللي جوا كمان، إنسان حساس كتير وحزنو هو اللي بيخلق ألحانو مش ضحكو، ليش هوى حزين اسألوه ".

 

قبل رحيلة في الخامس من نوفمبر 1985 كان قد انتهى من تلحين ست أغنيات لفيروز أربعة منها صدرت بعد رحيله في إسطوانة وقعت فيروز على ظهرها بكلمة منها تحية إلى فيلمون "كل اللي تركن اشتاقولك وكل اللي جايين راح يحبوك"، الإسطوانة صدرت تحت اسم " بليل وشتي " عام 1989 وتضم أربع أغنيات جميعها من شعر جوزيف حرب هي : "أسامينا" و"بليل وشتي" و"لما عالباب ياحبيبي" و"إسوارة العروس" التي كانت السيدة فيروز أطلقتها منفردة عبر الإذاعات عام 1984، وغنتها بطريقة "البلاي بلاك" في حفلاتها في جرش الأردن عام 1983 وفي أستراليا 1984 وفي "بصري الشام" 1985 .

 

في منتصف التسعينات صدرت إسطوانة تضم آخر ما لحن فيلمون لفيروز أغنيتي "الأبواب" من شعر جوزيف حرب و"يا رايح" من شعر طلال حيدر، ضمن إسطوانة حلمت اسم "فيروز تغني فيلمون وهبي" ضمت مختارات قديمة له مع فيروز .ورحل فيلمون قبل أن يكمل تلحين أغنيتين أخريين لفيروز كان قد شرع في وضع لحنيهما في أواخر عام 1984 الأولى تحمل عنوان " متل ما قال فعل" وهي بدوية الطابع من شعر طلال حيدر والثانية بعنوان " تركني ومضي وما غاب عني يوم" من شعر جوزيف حرب كان مقررا أن يصدرا في إسطوانة واحدة مع لحني "يا رايح " والأبواب" .

 

أنهى رحيل فيلمون هذه التجربة الفريدة في مسيرة فيروز تجربة رصعها بجواهر من الألحان الشرقية البديعة ولا يوجد ختام افضل من قول الناقد عصام محفوظ في كتابة "ماذا بقي منهم للتاريخ" :" من المؤسف أن يستنتج البعض سيئ النية من نجاح بعض الأغنيات التي لحنها لفيروز آخرون، منافسة للرحباني في ذلك المجال، إنما هم لحنوا لفيروز الرحباني".