الجمعة 22 اكتوبر 2021

هوس السوشيال ميديا

مقالات6-10-2021 | 21:42

 

ارتجفت قلوب المليارات في شتي بقاع الدنيا على اتساع أراضيها، وحبست الأنفاس، وكادت العقول أن تتشتت عندما تعطلت وسائل التواصل الاجتماعي الأشهر  Facebook و messenger و what's up و Instagram عن العمل، وذلك قرابة الساعات السبع مساء الإثنين الرابع من شهر أكتوبر لتتربع هذه "الكارثة" على عرش مشكلات العالم أجمع.

فلا أوبئة ولا حروب ولا مشكلات اقتصادية باتت تشغل عقول ساكني الكوكب سوء العطل الذي أصاب مواقع السوشيال ميديا،  فلا شغل ولا شاغل للعالم طوال تلك الساعات العصيبة سوي هذه الكارثة، لتحل عن جدارة محل جميع مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية وربما الأسرية.. ومن هنا يثار التساؤل الذي أراه بداية لحالة يجب دراستها وهي: ماذا تعني مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة لساكني هذا الكوكب العجيب؟ هل هي مجرد وسيلة للتسلية وتبادل المعلومات والاطلاع على آخر التطورات والأحداث في أوقات الفراغ، أم باتت وسيلة للهروب من الواقع والتطورات والأحداث؟ أم أصبحت إدمانا لا يستطيع الجميع - مهما علا شأنه ورفعت مكانته - الاستغناء عنه؟ أعتقد أن الإجابة الأخيرة هي الأقرب إلى الصواب والواقع، فالعالم الافتراضي الذي تمثله مواقع التواصل الاجتماعي أصبح بديلا عن واقع مؤلم ومرير أصاب الجميع بلا استثناء.. وما أصاب العالم من قلق وتوتر خير شاهد ودليل.

إن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت - للأسف - الرفيق الأليف والنافذة المخلصة التي استطاعت أن تجذب عقولنا وقلوبنا جميعاً.. ووفقا لآخر إحصائيات صادرة عن إدارة فيسبوك منتصف العام الحالي، فإن عدد ساكني فيسبوك بلغ أكثر  ٢.٨ مليار مستخدم، أي ٣٦% من قاطني هذا الكوكب البالغ عددهم  ٧.٨ مليار نسمة من مستخدميه، كما أن ملياري نسمة يستخدمون تطبيق messenger الملحق به، أيضا يستخدم تطبيق what's up ١.٣ مليار نسمة بمعدل ١٧% من سكان الأرض، بينما وصل عاشقي Instagram إلى ما يعادل ١.٢٢ مليار نسمة .

 

أما على المستوى المحلي فإن ما يقارب من ثلث المصريين لديهم حسابات علي فيسبوك، وبحسبة بسيطة نستثني نسبة الأميين وهم ٢٦ في المائة من المصريين ( أي ٢٧ مليون تقريبا ) لا يستطيعون القراءة والكتابة وفقا لآخر إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية، على اعتبار أن عدد السكان ١٠٤ مليون، وعليه فإن عدد المصريين الذين يستطيعون القراءة والكتابة ٧٧ مليون مصري منهم ٣٣ مليون لديهم حسابات على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.. ولو اعتبرنا أن متوسط الأسرة الواحدة تتكون من أربعة أشخاص فالنتيجة النهائية والحقيقة تقتضي القول أن مواقع التواصل الاجتماعي هي الشيء الوحيد الموجود في جميع بيوت البشر علي ظهر هذا الكوكب وبلا استثناء والقاسم المشترك بينهم جميعا، الغني والفقير، المتعلم ومحدود التعليم، ذو المركز المرموق والعامل البسيط، الأمر لم يعد مجرد رفاهية أو تسلية في أوقات الفراغ، ولكنه أصبح إكسير الحياة والآخذ اللاهي لحياتنا جميعا، الشيء الوحيد المشترك الذي استطاع أن يستحوذ علي عقولنا وقلوبنا ووجداننا جميعا، كم من بيوت خربت من أجله، كم من علاقات تهدمت بسببه، كم من إخوة تقطعت أرحامهم بسبب آراء تتعارض مع بعضها البعض علي صفحاتها.. أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بديلا عن الأب والأم والزوج والزوجة، حياتنا لا تستقيم بدونها ولا طعم لها بعيدا عنه، أول ما تقع أعيننا عليه عندما نستيقظ وآخر ما نودعه عندما نتجه إلى أسرتنا وربما نصطحبه أيضا إليها، كم من لحظات حلوة أو واجبات اجتماعية شاركنا فيها بأجسامنا دون مشاعرنا وحواسنا التي انجذبت لصفحات التواصل الاجتماعي، كم من أوقات تسللت من بين أيدينا بسببه، حياتنا أصبحت مباحة وخصوصياتنا وأدق تفاصيل وأسرار حياتنا جاءت على الملأ بسبب فيسبوك، الخطوبة والزواج والشبكة والمهر ينشر الآن بلا أدني حساسية علي صفحاته، من تركت حبيبها أو طلقت أو حدث خلاف عابر بينها وبين زوجها يعرفه أصدقائها بمواقع التواصل الاجتماعي قبل أبيها وأمها ، أحلامنا طموحاتنا مستقبلنا ، ماضينا وحاضرنا تناولته صفحات التواصل الاجتماعي، حتى الاستراتيجيات والأيديولوجيات التي تطمح الدول في تحقيقها قد تتداولها صفحاتها قبل التصديق عليها رسميا، إذن فمواقع التواصل الاجتماعي سيطرت على الجميع ولم يُستثنى أحد مهما علت قامته أو رفعت درجته.

ويأخذنا ذلك إلى تساؤل أكثر أهمية: ما السبب في حلول مواقع التواصل الاجتماعي محل أشياء كانت منذ وقت قريب من أساسيات حياتنا؟ هل نهرب من عالمنا الواقعي السيئ المليء بالحقائق المؤلمة لنلحق بآخر أمل لنا في حياة أكثر هدوءً من خلال عالم افتراضي نشكله تضامنا مع أحلام ماضي لم ولن تتحقق.. فعبر صفحاتها يجد الزوج الزوجة الجميلة الرشيقة المطيعة بديلا عن زوجته التي أضاعت الكثير من صحتها وأعصابها وربما أموالها علي تربية الأبناء، الزوجة قد تجد بديلاً عن زوج يسعي طوال اليوم ليقتات بعض لقيمات قليلة لسد حاجات أسرته وأفواه أبنائه، وهكذا حلت مواقع التواصل الاجتماعي محل الأسرة حلولا كاملاً وشاملا ، أزواج يجلسون سويا تحت سقف واحد وربما علي مائدة واحدة ولكن لكل منهم حياته الافتراضية التي لا يجدها مع الآخر ، شباب بنوا أحلاما لأوطانهم عبر صفحاتها لأنهم لم يجدوا احد علي أرض الواقع يستمع إليهم، ولكن ألم يحن الوقت لطرح هذا الموقع جانبا والعودة بأنفسنا ولأنفسنا الي أرض الواقع مهما كان مؤلما والارتماء في أحضان الأسرة والشريك الطبيعي والحقيقي بدلا من شركاء وهميين.

أنا لست ضد مواقع التواصل الاجتماعي، بل علي العكس فقد كان نافذة لان التقي بأشخاص رائعون أحببتها كثيرا وهم علي قدر كبير من الاحترام والتقدير ولهم عندي مكانة عالية وقيمة رفيعة، ولكن كثيرا ممن نلتقي بهم هم وهميون، نرى منهم ما يريدون إظهاره فقط من إيجابيات دون السلبيات، الجانب الإيجابي المضيء يصل إلينا دون الجانب الخفي المظلم.. أنا لا أتحدث عن أشخاص معروفون ولكن عن أشخاص غير معروفين لدينا وهم الغالبية.. أليس الزوج والزوجة والأبناء أولي بالرعاية والاهتمام من هذا العالم الافتراضي، أليس إصلاح شأننا وعلاقتنا بربنا أولي بإظهار خصائصنا الملائكية لأشخاص افتراضيون لا نقابل معظمهم في الحقيقة.. الحق أحق ان يتبع ومن مقتضيات ذلك العودة إلي ذاتنا بكامل تفاصيلها دون تجميل والاتجاه صوب الأولي بالرعاية والاهتمام وهي الأسرة التي كادت أن تتفكك بسبب هوس فيسبوك.

إن اكسير الحياة لنا جميعا هو أن نستيقظ ونعيش الحياة مع شركاء الحياة بكل تفاصيلها ونحاول الإصلاح، وهذا أفضل كثيرًا من بناء أحلام وأوهام من تراب على شاطئ هش يذوب مع أول موجة قادمة من بحر الواقع والحياة.