الإثنين 2 اغسطس 2021

ميكافيللى البريء

مقالات20-7-2021 | 14:15

يمكن النظر إلى الفكر السياسي، الذي عبرت عنه الحركة الإنسانية في عصر النهضة الأوروبية، باعتباره اتجاهاً آخر يختلف عن النزعة الميكافيللية في مرتكزاتها الفلسفية وتوجهاتها ومقولاتها، ويتناقض معها وينبذها كليا.

 وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى نقطتين أساسيتين: الأولى أن الحركة الإنسانية قد ركزت بشدة على الفضائل العامة، وعلى القيم والقواعد الأخلاقية والدينية، وأولتها أهمية كبرى في تصوراتها وأفكارها السياسية، بينما اتجهت النزعة الميكافيللية نحو الفردية والأنانية، ولم تبال بالفضائل والقيم إلا بمقدار نفعها.

النقطة الثانية هي أن النزعة الإنسانية اتخذت منحى عاماً يمقت الحروب، ويرفض اللجوء إليها أو استخدام القوة ووسائلها، مقابل النزعة الميكافيللية التي شرعنت استخدامها للوصول إلى الغايات السياسية، فهل أثم ميكافيللى أو يصنف أشر البشر؟.

يعد نيكولو ميكافيللي (1469 – 1527) من أشهر المفكرين السياسيين الذين عرفتهم العصور الحديثة، وتعود شهرته أساساً إلى انتهاجه خطاً مختلفاً عما كان رائجاً في الكتابات السياسية في العصور الوسطى وما قبلها.

وتكمن نقطة اختلافه الأساسية في أنه أول مفكر أوروبي يطرح، بوضوح  موضوع الانفصال بين السياسة والأخلاق، حيث «الغاية تبرر الوسيلة».. وقد كرّسَ ميكافيللي جلَّ مؤلفاته لإنتاج مفهوم جديد للسياسة بصفتها علماً وضعياً منفصلاً عن الدين والأخلاق، إذ كان ببساطة ينزع إلى تخليص السياسة من أي اعتبار خارجي، وإلى جعلها علماً مستقلاً بذاته.. ورغم تعدد مؤلفاته وتنوعها، إلا أن أبرزها هو كتاباه (الأمير) و(المطارحات).

وبتحليل تلك المؤلفات نجد أنه دشَّنَ -ميكافيللي- طريقة جديدة في الكتابات السياسية، تمتاز عن طرائق الآخرين بميزتين أساسيتين: الأولى هي تركيز اهتمامه على معطيات العالم السياسي الواقعي، وإهمال أي حديث عن إقامة جمهوريات أو إمارات مثالية (مدن اليوتوبيا)، والثانية هي عدم الاكتراث بمقولات علماء الأخلاق عمّا يجب فعله، بل الاهتمام بما يُعمل حقاً، بما يفعله الأمراء بصورة خاصة للحفاظ على سلطتهم.

تجاوز هذا الكتاب الصغير كل التوقعات وذاع صيت ميكافيلي (إله الشر)، رغم أنه يدعو للسلطة بالقوة وهذا ظلم لكن حقيقة عاشها الزمن من قبله ومن بعده فهو لم يزد على هذه الدنيا بجديد لكنه وضحها؛ فيذكر في الكتاب صفات الحكام ومن منهم القوي والضعيف والثابت والمتزعزع بل يعد وصفه لتاريخ الممالك والملوك مذهلا، وكأنه يسرد تاريخ البشرية منذ آدم عليه السلام حتى يومنا هذا.

 فذكر أنواع الرؤساء من رسل وأمراء وقادة، وشمل الحكيم والحليم والطاغية والضعيف… وغيرهم وقدم أمثلة من التاريخ بيد أن رأيه يميل إلى الحاكم القوي البخيل، ولابأس من بعض الضراوة والطغيان في سبيل تثبيت الملك وحرية الشعب -فالغاية تبرر الوسيلة- وإن أيد فعل عن فعل فهو لا يشفع لذاك الفعل أو يحطّ من الآخر، بل لابد من إقرارنا أنه لم يميع المعاني ولم يلبس على الناس، بل أقر  إن الشر شرا ولكن للحاجة اتباعه والخير خيرا وأحيانا من الحاجة اجتنابه، بل إنه يسمي كل مسمى بما يناسب معناه فلا هو يقول حاكم عادل لمن ظلم ولا يقول متخاذل لمن عدل، لكنه يؤيد الظلم إن كان فيه نفع للحاكم من أجل ضبط الرعية.

بالمختصر الكتاب صريح في شرح طرق الحكم عبر التاريخ دون أي تورية، فيعجبه فعل فرناندو(ملك إسبانيا) عندما هاجم غرناطة واحتلها، ويعترف أن فرناندو يعمل تحت ستار الدين والقسوة الدينية فأخرج العرب من مملكتهم واستولى على ممتلكاتهم تحت مسمى الدين، ويقول إنه مبهر، وبالطريقة ذاتها هجم على أفريقيا وفرنسا وإيطاليا وذلك أبهر شعبه.

إذا هو لا ينكر انه تلاعب بالدين ولا يزعم أنه كان عظيماً فاتحاً بالعدل، بل يقر أنه استخدم الألاعيب، بيد أن ميكافيللي يؤيدها مازالت تؤيد حكم الأمير، هو فقط يشرح الحال الذي يجري في هذ العالم: فمنها أنه أشغل البارونات بالحرب فلم يستطيعوا أن يوسعوا نفوذهم أو قوتهم وكانت العظمة للأمير، ويتكلم عن الكرم وأن الأمير من الجيد أن يكون بخيلا من ماله كريماً من مال شعبه، ووجهة نظره هنا قاسية لكنها تُتبع كثيراً.

يدعي الإعلام والصحفيون أن طغاة التاريخ بعد ميكافيللي تتلمذوا على يديه وكأنه اخترع الشر غير أن الشر هو في الإنسان؛ والإنسان هو أصعب المخلوقات فهو ليس الملاك ذو الخير دائماً ولا الشيطان الملعون أبدى الشر، ولا الحيوان مسلوب العقل .. لذا فإن ميكافيللي لم يخترع شيء  بل وضح كل شيء .

 

بقلم ...دكتورة / شيرين الملوانى