السبت 31 يوليو 2021

النفط الجديد ومستقبل اقتصاديات العالم العربي

مقالات16-6-2021 | 21:00

النفط ليس مجرد سلعة تقليدية، بل سلعة تُبني عليها اقتصاديات دول، الوطن العربي يشتهر بإنتاج النفط، وهناك اقتصاديات كاملة للدول تقوم على إنتاج وبيع سلعة واحدة ومشتقاتها، حيث تملك هذه الدول العديد من الثروات الطبيعية وتشكل محورًا كبيرًا في الاقتصاد الوطني لها، فهناك دول تنتج الذهب والماس والبن وغيرها،  ويعد "زيت النخيل" في ماليزيا أبرز نموذج لذلك، وفقاً لمهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي فإن في عام 2018 أسهم زيت النخيل والمنتجات المتعلقة به بـحوالي 67.5 مليار رنجت ماليزي -ما يوازي 16.2 مليار دولار أمريكي- لعائدات البلاد من التصدير، كما أن هذه الصناعة وفرت فرص عمل لأكثر من 3 ملايين شخص .

 

وبالتالي أقصد بالنفط هنا ليس النفط كسلعة فقط بل أي سلعة أو معدن أو زراعة أو منتج أولي يشكل محور اقتصاد دول معينة، أي المقصود هنا غالباً ما يكون الثروات الطبيعية، في الاقتصاد الحديث ليس فقط الناتج المحلي الإجمالي كرقم هو معيار قياس الحركة الاقتصادية في المجتمع، بل هيكل الناتج المحلي ومدي عمق الصناعة في النشاط الاقتصادي .

 

وتحول محور الاقتصاد من مجرد التجارة أو التعدين أو الزراعة إلى صناعة متقدمة، بل وأصبح الاقتصاد المعرفي وصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المحور الرئيسي في عالم اليوم، فالعالم اليوم يشهد ثورة تكنولوجية متسارعة وتطورًا في الأجهزة الذكية وتطبيقاتها المتعددة التي تخدم أوجه الحياة البشرية وتمحور مفهوم "النفط الجديد" ليصبح الاقتصاد القائم على الابتكار والإبداع والتكنولوجيا، وليس مجرد اقتصاد قائم علي التعدين، هناك العديد من الخبراء يرون أن "البيانات" هي النفط الجديد، حيث أن النفط ساهم في ولادة الثورات الصناعية السابقة وما زال، فإن البيانات الوقود الجديد للقرن الـ21 والمحرك الأساسي للثورة الصناعية الرابعة.

 

أول من أطلق مصطلح "البيانات هي النفط الجديد" هو الخبير التقني الإنجليزي كلايف هامبي، الذي بنى أول برنامج دعم للزبائن يدعى "Clubcard" في سوبر ماركت "تيسكو" الشهيرة في لندن عام 1994، فبرنامجه الذي اعتمد على بيانات زبائن السوبر ماركت وتفضيلاتهم جعل من متجر التسوق الصغير هذا أكبر سلسلة متاجر في المملكة المتحدة، كما أكد رئيس الحكومة الروسية ميخائيل ميشوستين، في كلمته في ماراثون "المعرفة الجديدة"، إن المعلومات هي "النفط الجديد" خلال القرن الحادي والعشرين وبالتالي يمكن القول أن من يملك المعلومة هو من يقود العالم .

 

توطين الصناعة الثقيلة والتكنولوجية في العالم العربي هو حلم يغير وجه المنطقة العربية، فهناك فرص في العالم العربي لتحقيق حلم إقامة منظومة صناعية متكاملة في العالم العربي، وهناك جهود على أرض الواقع  فقد تم إطلاق القمر الصناعي "تشالنج وان" بإمكانيات محلية تونسية 100%، بكفاءات وطنية من شركة "تالنات"  التونسية المختصة في التكنولوجيا والبرمجيات والنظم الإلكترونية والأنشطة الهندسية، في مصر تم إنشاء "محطة بنبان" للطاقة الشمسية بأسوان، وبدء توليد الطاقة الكهرباء عام 2019 المحطة تكلفت ملياري دولار تقريباً، كما صنف البنك الدولي أن هذا المشروع من أكثر المشاريع تميزاً علي مستوي العالم وهو ما يعكس حجم المشروع حيث سيولد 1456 ميجاوات أي ما يعادل 90% من قدرة السد العالي.

وفي مصر أيضاً  تم الاتفاق لإعادة إحياء شركة النصر لصناعة السيارات، حيث تم  إمضاء عقود الشراكة مع شركة "دونج فينج" الصينية  في يونيو 2020 لإنتاج 25 ألف سيارة ركوب كهربائية سنويًا "نصر E70"، ويعد انطلاقة لصناعة السيارات الكهربائية في مصر وبوابة تصدير إلى أفريقيا والدول العربية، حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع 3.5 مليون سيارة سنوياً من مقرر بدء الإنتاج في نهاية 2021 على أن تتوافر بالسوق المصري في النصف الأول من عام 2022، حتى الآن ووفقاً للمفاوضات سيكون البدء بمكون محلي 50% مع السعي تدريجيًا لبلوغ نسبة 100% في المستقبل، هذا بخلاف جهود الدولة المصرية في تطوير صناعة الغزل والنسيج وصناعة سيارات القطارات، كما أن المغرب لها خبرات في صناعة السيارات وتعد من الدول الرائدة في إفريقيا في مجال التكنولوجيا المتقدمة ويعود جزء من هذا التفوق في إطار اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي .

 

 

اقترح تدشين في أقرب وقت للمدينة العربية للتقنية على أن يكون مقرها مدينة شرم الشيخ كرمز للتواصل الجغرافي بين الدول العربية في قارتى إفريقيا وآسيا، المدينة تكون حاضنة لكافة الأفكار والمشروعات المبتكرة لجميع أبناء الوطن العربي وتعمل هذه المدينة علي تعميق وتوطين التكنولوجيا والصناعة في العالم العربي، في النهاية يحتاج العالم العربي إلى تطبيق مفهوم النفط الجديد أي التحول الصناعي والتخصص ودعم الابتكار والإبداع واقتصاد المعرفة في العالم العربي .