الإثنين 21 يونيو 2021

فرج فودة.. المفكر المحارب

مقالات9-6-2021 | 21:06

في مثل هذه الأيام، اغتيل الدكتور المفكر فرج فودة، على أيدى ثلاثة أشخاص من الجماعة الإرهابية بقرار الإرهابي أبو العلا عبد ربه، بعد حصوله على فتوى أن فرج فودة مرتد عن الإسلام، ولم يكن وقتها اسم "أبو العلا" مشهورًا داخل الحركة الإرهابية، ولكنه بعد عملية الاغتيال أصبح معروفا باسم "قاتل فرج فودة".

‏بعد ارتفاع وتيرة العنف في الثمانينات، ومحاولات اغتيال وزير الداخلية اللواء حسن أبو باشا والكاتب مكرم محمد أحمد ووزير الداخلية اللواء النبوي إسماعيل عام 1987، وتعدد حالات قتل الأقباط واستباحة أموالهم والهجوم على محلات الفيديو ودور السينما وسيطرت الجماعة الإرهابية على مناطق مثل إمبابة، في هذا الوقت  لمع نجم كاتب مصري جرئ أخذ على عاتقه نقد فكر الجماعات الدينية المتغولة التي تنشر شرها في كل مكان.

فرج فودة وُلد فى 20 أغسطس 1945، بمدينة الزرقا بمحافظة دمياط، التحق في الستينيات بكلية الزراعة وحصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد الزراعي في يونيو 1967، وفي الشهر نفسه استشهد شقيقه الملازم محيي الدين فودة، الذي كان يصغره بعام واحد في حرب 5 يونيو 1967، وذلك بعد ثلاثة أيام فقط من تخرجه من الكلية الحربية، ولم يعثر على جثمانه، ثم شارك بعدها فرج فودة في مظاهرات الطلبة الغاضبة عام 1968، واعتقل لعدة أيام في عهد الرئيس عبد الناصر، وكان فودة يخطط للعمل في التدريس الجامعي غير أن الاضطرابات السياسية التي شهدتها الفترة ونمو الجماعات الدينية خلال السبعينيات، والذي انتهى باغتيال الرئيس السادات في 6 أكتوبر1981، وانتصار الثورة الدينية في إيران في 1979، خرجت به من مهنة التدريس الجامعي، وأصبح واحدًا من رواد التنوير في مصر، حيث ألّف عددا من الكتب التي تضمنت فصل الدين عن الدولة منها "قبل السقوط" (1984) و"الحقيقة الغائبة"(1984) و"الملعوب"(1985) و"الطائفية إلى أين؟"(1985) و"حوار حول العلمانية"(1987) و"النذير"(1989) خلص فيه إلى أن التيار الديني نجح بالفعل في تكوين دولة موازية، ‏دولة لها اقتصادها المتمثل في بيوت توظيف الأموال وجيشها المتمثل في الجماعات المسلحة وكيانها السياسي المتمثل في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين.

ولاقت الكتب اهتمامًا فطبع بعضها أكثر من مرة ودرس بعضها في الجامعات والمعاهد، وفي 7يناير 1992 أعلنت الهيئة العامة للكتّاب عن مناظرة في استاد القاهرة ‏برئاسة الدكتور سمير سرحان تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية" شارك فيها الشيخ محمد الغزالي والمستشار محمد مأمون الهضيبي المتحدث باسم جماعة الإخوان والدكتور محمد عمارة، في مواجهة فرج فودة والدكتور محمد أحمد خلف الله العضو بحزب التجمع وانتظر الجميع هذه المناظرة النارية، ‏مناظرة سبقتها حملات إعلامية محمومة وتحشيد وتجييش من جانب الجماعات المتطرفة التي حاولت تهيئة الرأي العام لعدم تقبل أفكار "فودة"، وموجات تصعيد من تنظيمات متطرفة ضد فودة بسبب آرائه وأفكاره والادعاء بكفره وإلحاده وارتداده عن الدين.

حضر المناظرة ما لا يقل عن 30 ألف شخص أغلبهم من أنصار الإخوان ‏وسط هتافات مدوية واعتراضات ضد "فودة" الذي لم يكن قد بدأ الحديث، وبدأت المناظرة بكلمة للشيخ الغزالي ذكر فيها أهمية الحفاظ على الهوية الإسلامية وتبعه الهضيبي المتحدث باسم الإخوان الذي ركز على أهمية أن يكون الجدال والنقاش بين "الدولة الإسلامية" و"الدولة اللا إسلامية"، مؤكدًا أن الإسلام دين ودولة وليس دينا فقط، وخلال تلك الكلمات كانت الصيحات تتعالى والصرخات تشتد وتخيف كل من يعترض على أحاديث الغزالي والهضيبى، وكان فرج فودة آخر المتحدثين أمسك الميكروفون بثبات ورباطة جأش رغم الحرب النفسية التي شنها عليه أنصار التيارات المتطرفة ‏وبدأ كلامه للرد على ما دار من حديث، بالإشارة إلى دولة الخلافة وما بعد الخلافة الراشدة مُستشهدًا بكلمات للإمام الغزالي نفسه.

أقحم فودة الحاضرين باستشهاده بكلمات لهم أنفسهم، وقال إن الشيخ الغزالي ذكر أن الإسلاميين منشغلون بتغيير الحكم أو الوصول إلى الحكم دون أن يعدوا أنفسهم لذلك، أشار إلى ما قدمته بعض الجماعات  الدينية وما صدر عنها من أعمال عنف وسفك للدماء، استشهد بتجارب لدول مجاورة على رأسها إيران، قائلًا:- إذا كانت هذه هي البدايات فبئس الخواتيم، ثم قال للجميع الفضل للدولة المدنية أنها سمحت لكم أن تناظرونا هنا ثم تخرجون ورؤوسكم فوق أعناقكم!! ‏لكن دولا دينية قطعت أعناق من يعارضونها لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، الإسلام الدين في أعلى عليين أما الدولة فهي كيان سياسي وكيان اقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم أنا أقبل أن تهان الشيوعية لكني لا أقبل أن يهان الإسلام‏، أما أن يختلف الفرقاء في أقصى الشرق وأقصى الغرب ويحاولون توثيق خلافاتهم بالقرآن والسنة ومجموعة الفقهاء، حرام، حرام، نزّهوا الإسلام وعليكم بتوحيد كلمتكم قبل أن تلقوا بخلافاتكم علينا قولوا لنا برنامجكم السياسي، هؤلاء الصبيان الذين يسيئون إلى الإسلام بالعنف وهو دين الرحمة ...هؤلاء الصبيان منكم، أم ليسوا منكم؟ إذا كان التنظيم السري جزءً من فصائلكم أم لا تدينونه اليوم أم لا؟ هل مقتل النقراشي والخازندار بدايات لحل إسلامي صحيح؟ أو أن الإسلام سيظل دين السلام، ودين الرحمة والدين الذي يرفض أن يُقتل مسلم ظلماً وزوراً وبهتاناً لمجرد خلاف، القرآن بدأ بـكلمة اقرأ وسنظل نتحاور لنوقف نزيف الدم ونصل إلى كلمة سواء، وأنا أؤكد لكم أنه ليس خلافاً بين أنصار الإسلام وأعدائه الفريق الذى أنتمى إليه لم ير أبداً أن الإسلام دين العنف الإسلام هو دين القول بالتي هي أحسن ولأجل هذا نحن ندين الإرهاب لأنه قول وفعل بالتي هي أسوأ.. التاريخ نقل إلينا حوار أبي حنيفة مع ملحد كان الحوار بالحروف لا بالكلاشينكوف أدعو الله للجميع أن يهتدوا بهدي الإسلام وهو دين الرحمة وأن يهديهم الله ليضعوا الإسلام في مكانه العزيز بعيداً عن الاختلاف والفُرقة والإرهاب وعن الدم والمطامح والمطامع..

انتهت المناظرة وشعر الجميع أن فودة أطلق كميات من الثلج على رؤوسهم؛ فقد توقفت الصيحات وتحولت لهمهمات؛ واختفت الصرخات وحلت محلها أصوات تصفيق الحاضرين من المؤيدين للدولة المدنية وله‏، والمناظرة الثانية كانت في نادي نقابة المهندسين بالإسكندرية 27 يناير1992‏ تحت عنوان: مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وشارك فرج فودة ضمن أنصار الدولة المدنية مع الدكتور فؤاد زكريا، بينما كانت جانب أنصار الدولة الدينية:  الدكتور محمد عمارة، الدكتور محمد سليم العوا وشارك فيها نحو 4000 شخص.

وفي 3 يونيو 1992 وصلت الرحلة إلى المحطة الأهم ‏حين نشرت جريدة النور الإسلامية التي كان بينها وبين فرج فودة قضية سب وقذف، بيانا من ندوة علماء الأزهر مُوقَّعا من عدد من كبار الدعاة الإسلاميين في الدولة يكفِّر فرج فودة، ويدعو لجنة شؤون الأحزاب لعدم الموافقة على إنشاء حزبه (المستقبل)، ‏وبعد خمسة أيام فقط انتظر شابان من الجماعة  على دراجة بخارية أمام جمعية التنوير المصري، التي كان يرأسها فودة، في الساعة السادسة والنصف من مساء 8 يونيو 1992 وعند خروجه من مكتبه برفقة ابنه بشارع أسماء فهمي بمصر الجديدة كي يستقل سيارته عائدا لمنزله‏، اعترضه كل من أشرف سعيد إبراهيم وعبد الشافي أحمد رمضان، حيث كانا يستقلان دراجة بخارية وأطلقا عليه الرصاص الذي اخترق كبده وأمعاءه بينما أصيب ابنه إصابات طفيفة وكان فودة ينتظر جوازات السفر ليسافر إلى فرنسا منتصف الشهر مع ابنه أحمد الذى لم يأخذه معه من قبل إلى الخارج. ‏

 

ولكن المواطن المصرى محمد فاروق الخولى، السائق الخاص للدكتور فرج فودة، والذى عمل معه  ترك المفكر الراحل وطارد الجناة بالسيارة، وتمكن من اللحاق بالمتهم عبد الشافي رمضان الذي سقط خلال المطارة من الدراجة البخارية على الأرض ليرتطم بالرصيف ويصاب بالإغماء ليتم ضبطه ‏في الوقت نفسه كان فرج فودة قد وصل إلى المستشفى وهناك كان يصارع الموت، ووفقا لرواية الأطباء المعالجين له فقد قال قبل وفاته بلحظات "يعلم الله أنني ما فعلت شيئا إلا من أجل وطني"، وحاول جراح القلب  الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء وقتها إنقاذه لمدة ست ساعات كاملة لكن القدر اختاره لجواره.. ورحل المفكر العظيم.. قدوتي.

 

رحمه الله عليه وأسكنه فسيح جناته وأنزله منزلة الشهداء .