الإثنين 21 يونيو 2021

تمام الكلام

مقالات7-6-2021 | 23:03

 

شاهدة على الأنفاس الأخيرة

 

أحتاج إلى سنوات ثماني يا أبي لكي أستعيد أنفاسك الحنونة التي كانت تحتضني دون ذراعين؛ أو مجرد إيماءة إلى هذا النهر الجارف من فيض الحب؛ الذي يغرق مدينة بأكملها ويزيد، لكن عزة نفسك الأبية الصعيدية كانت سدًا كبيرًا وحجابا سميكا دون كشفها بسهولة، إلا أنه قبل رحيلك عن الحياة بشهرين تمردت على كبريائك الفرعوني، حينما اتكأت على ألمك وساقك السمراء النحيلة؛  وعلى قلبي الناظر إليك بشغف وخوف وترقب؛ والحائط المائل على حظي وأيامك؛ وقلت قولاً لم يحدث أن قلته كلمات؛ وإن قلته عطاء وحماية ورعاية ومحبة صامتة؛ قلت لنا يا أبي كلمات تسبقها الدهشة: إني أحبكم جميعا أبنائي.. إلا إياك فلك العشق وحده؛ فالشبه بيننا كان كبيرا.. دون ملامح.. كنت ترسم وأنا ألوّن.. كنت تخط الحرف وأنا ابتكر.. كنت تقود وأنا أقلد.. فصورتي الحائرة ما بين حمرة الرمان وسمار عطائك الفياض كسنابل القمح التي تتمايل يمينا وشمالا في مركب الهواء العاشق.. دون ثبات.. تدفئها عين الشمس القرمزية؛ وتظللها غيمة شاردة دون انتباهة؛ وتؤنسها زغاريد العصافير والنساء ساعات العصاري، الفرحة تشهد بذلك.

في مثل هذا الوقت البعيد؛ كانت يدك السمراء الصغيرة تضغط بقوة على يدي من شدة الألم وهجومه الشرس المتوالي، أما أنا فكنت لا أشعر بأي ألم.. وكيف أتألم ولأول مرة تحتاج إلى يدي لتحتمي بها من الألم الفتاك.. فقط كنت أحاول أن أسرقه في خلسة منك إلى يدي.. لكن دون جدوى؛ أو نجاحي الذي عهدته معك حينما أشحذ همتي وحيلي لإقناعك بأمر ما، فقد غلبني مُفرق الأحباب، سبق الموت حد الزمن، وتفوق على كل محاولاتي للاحتواء والدعاء.

كان الألم يزداد بجسدك النحيف الذي هزمه المرض الوحشي، وأنت من كنت لا تستسلم لشيء.. هذا الجسد الذي لطالما كان بمثابة الملجأ -بعد الله- لي وللجميع؛ والقوة والحماية والرجولة؛ التي شهد لك بها كل من عرفك وجاورك في حياتك.

بعد مماتك تزداد العتمة سوادًا في عيني.. تسكنني وتحتضنني بقسوة.. وأنا التي كانت تراقب بفزع اصفرار وجهك الذي يزداد رويدًا رويدًا.. ليسلم للموت رايته بكل خضوع وسكينة لم أعهدها فيك من قبل أيها العسكري الصلب المشاكس.

أتذكر ذلك اليوم البعيد؛ كنت لا أزال أمسك بيدك، فيروق لي أنك تتكأ عليها بشدة وتسكب ألمك القاسي فيها، ربما ترتاح قليلا منه ولو برهة.

فرحت بهذه اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة باحتياجك لي.. ليدي الصغيرة.. دون شعور بالحرج وأنت من لم يظهر أي احتياج أو ضعف أو لجوء من قبل لي أو لغيري، فشخصك الذي يشبه أسياد الحارة المصرية في روايات نجيب محفوظ،  لم يحط ترحاله فى يوم من الأيام على شاطئ الحاجة واللجوء للآخر.

أتذكر في ذلك اليوم الحزين البعيد؛ كل من حولي من يشاركك سويعاتك الأخيرة يطلب مني الخلود إلى النوم قليلا على السرير الذي يجاورك لشدة إعيائي.. رفضت لكن تحت الإلحاح الشديد نمت قليلا بعد أن طلبت منك كثيرا أن تردد الشهادتين؛  وزدت عليه بطلب أن تصلي على سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- كي يخفف الألم عنك؛  لكن بداخلي كان هناك رعب جاثم على قلبي من اقتراب الفجيعة.. النهاية الرحيل.. الفراق.. الموت له والموت لي..

نمت قليلا.. لأصحو فزعة  على لحظات روحك الأخيرة.. تهمهم.. لا أفهمها.. تناديني بسرعة غير معهودة.. لتوقظني  كي أشهدها.. كما فعلت أمي تماما من قبلك بأربع سنوات.. باللحظة الأخيرة.

 

نعم.. فأنا المحظوظة بهذه اللحظة الأخيرة.. الوحيدة بين أبنائكما.. التي نالت وجع الوقوف على رأسيكما في آخر مشهد لرؤيتكما الغالية المستحيلة.. وأنتما تخرجان آخر ما تبقى لكما من أنفاس بهذه الدنيا البائسة، لتدخل إلى صدري مباشرة وتستقر بروحي إلى الأبد.

 

أتساءل.. لماذا كنت صاحبة الاسم الأخير على لسان أمي.. والمنادة الأخيرة في همهمات أبي؟ هل أبيتما ألا ترحلا دون أن أشارككما أنفاسكما الأخيرة.. لأتلاشى معكما يا أحب من خلق ربي؟