الإثنين 17 مايو 2021

حسن البنا يزور قلعة "ألموت"

مقالات3-5-2021 | 17:58

فى القرن الحادى عشر الميلادي- الخامس الهجرى؛ كان العباسيون مجرد ظل سياسى أعوج للخلافة، يترنحون تحت وطأة المكائد، ويؤازرهم السلاجقة الأقوياء لإنقاذ المذهب السُني، بالإبقاء على الخليفة العباسى مصونا من أيدى الشيعة، وقبل نهايته -القرن العصيب- بعام واحد (١٠٩٩م) نجح الصليبيون فى احتلال بيت المقدس، وفى تلك الفترة المضطربة من عمر التاريخ، وتحديدا فى مدينة "قم" معقل الشيعية الجعفرية الإمامية الإثنى عشرية، وُلد طفل سمّاه أبوه "حسن" عُرف فيما بعد باسم "حسن الصباح". لمّا شبّ صبيًا درس واعتنق المذهب الإسماعيلى أحد أفرع الشيعة الأكثر تطرفًا وعنفًا، يقوم المذهب على ترأُس الإمام للسلطة الدينية والدنيوية الذى تتوافر فيه صفات معينة منها الزهد والقوة والشجاعة. رأى حسن الشاب الغريب الأطوار فى نفسه ذلك الإمام، بعدما أنكر- بالضرورة- مذهب أهل السنة، وكذلك رفض ولاية الدولة الفاطمية العبيدية الشيعية لتعارضها مع طموحه فى بلوغ الحكم، أراد نشر أفكار المذهب الإسماعيلى سرًا فى مصر وسوريا وأصفهان وأزربيجان فكان الطرد والسجن من نصيبه. وفى إيران نجح أن يحشد أنصارًا، وتمدد دعويًا فى المنطقة بين إيران وأفغانستان. امتلك قلعة قديمة "ألموت" فى إيران، تحصّن فيها مع اتباعه، وراحوًا يستغلون تذمر الناس السياسى ضد السلاجقة والعباسيين، ودأبوا يوعزوًا إليهم بالتمرد والعصيان والثورة، تحت مظلة أفكارهم الإسماعيلية بطابعها الدينى المزيف، بينما الهدف الأخير فى قرارة نفس "الصبّاح"هو تنصيبه إماما حاكمًا، رغم أنه لم يعلن نفسه إماما إنما قدّم نفسه من يمثل الإمام الغائب، لتعارض شخصه كإمام مع العقيدة الإسماعيلية، ورغم ذلك لم ينثنى عن رغبته وانشق عن الإسماعيليين ليحقق حلمه فى السلطة، اعتمد الصبّاح على النشر الدعوى المكثف لاجتذاب أكبر قدر من الناس باسم الدين لمواجهة الحاكم، واعتمد فى تحقيق أهدافه السياسية على منهج العنف والاغتيالات السياسية بشكل ممنهج ومنظم واحترافى بواسطة فيلق متمرس من أتباعه، نجحوًا فى اغتيال وزير الملك السلجوقى "ملكشاه" ووزير السلطان "سنجر"، ثم حاول اتباعه فيما بعد اغتيال السلطان صلاح الدين الأيوبى أكثر من مرة وكذلك الخليفة العباسي"المسترشد بالله" وكذلك تعاونوًا مع الصليبيين ضد الدول الإسلامية الحاكمة آنذاك الذى حلله شرعًا واعتبره جهادًا بمنطق دعوته، بعد وفاته استمرت القلعة فى عملها الخبيث،  وتوارث أتباعه دعوته إلى أن قضى عليهم تماما السلطان بيبرس البندقدارى. 

لا يخلو التاريخ من نقاط وصل بين محاور الشر فيه، فهناك من جاء بعد حسن الصباح مثل هولاكو، هتلر، الخميني، بيد أننا لا نجد شخصية تطابقت مع حسن الصباح تماما، مثل رجل آخر ولد فى مصر بعده بقرابة تسعمائة عام، يحمل نفس اسمه "حسن" أيضًا !. عُرف باسم "حسن البنا" ووظيفته المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، جاءت حياته فى ظروف سياسية متقلبة أشبه بأيام الصباح، والمؤكد من المصادر الموثوقة أن حسن البنا قرأ سيرة وطرق حسن الصبّاح جيدًا وتعلم منها كيفية التمهيد لدعوته السرية وتكتيك التعبئة الجماهيرية لإحداث بلبلة، وكأن البنا زار قلعة "ألموت" إذ نجده تعاون مع الإنجليز مثلما تعاون الصبّاح مع الصليبيين، أسّس البنا مثل الصباح فرقة سياسية جديدة تهدف للوصول إلى السلطة باستخدام الدين وشحن نفوس الشعب ضد الحاكم بهدف إزاحته، واعتقد البنا فى نفسه الإمامية مثل الصباح وأطلق على نفسه الإمام ولصالح هدفه أصّل - وهو سني- لنظرية الحكم الشيعية"ولاية الفقيه" التى تخالف الشرع الحنيف، ولم يتوانى فى سبيل تحقيق هدفه الغير شرعى أن يستخدم العنف والتفجيرات وقتل الأبرياء وصولا إلى لعبة الاغتيالات السياسية ضد رجال دولة وقضاة ووزراء بقصد إحداث فراغ سياسى فى السلطة عساه يمكنهم من الوثوب إليها أو الانتقام والترهيب ؛ أسس - استرشادً بالصباح - التنظيم الخاص، اغتالوًا النقراشى باشا والمستشار الخازندار وأحمد باشا ماهر بخلاف أكثر من محاولة لاغتيال النحاس باشا، فضلا عن المغالاة فى ادعاء الورع والتقوى لاجتذاب البسطاء، ثم التكفير الدائم للخصوم السياسيين والتلوُّن الدائم حسبما تقتضى الظروف المهيّئة لوصولهم إلى الحكم. 

الواقع أن التاريخ لا ينسلخ من بعضهِ وكذلك لا يقدم نماذج إنسانية مكررة على مر العصور إلا بضوابط ومعايير واحدة. الحسنان : البنا والصباح ؛ نسخة متطابقة وجدا فى ظرف سياسى مضطرب غازل أحلامهما فى الوصول إلى السلطة، كان افتقاد حصافة علماء الدين بشدة فى كلا العصرين عاملا حاسما لانتشار التطرف، أدى غياب العلماء إلى جهل الناس بأصول الفقه فاستغلا - البنا، الصباح- ذلك بدناءة وفسروا الدين وفق أهوائهم، وشرعوا لأنفسهم الاضرار بأهلهم فى شكل التواصل والتخابر النفعى مع المحتل -الصليبي، الإنجليزي- وراحا ونفخا فى قربة الحقد السياسى على حساب آمال الناس ومستقبلهم وسلامة حياتهم. ومن هنا أوكد أنه حرى بنا معرفة سيرة الصبّاح حتى يتثنى لنا استيضاح جوانب خفيّة ومبهمة إلى الآن فى حياة البنا لعلها صاغت تلك الشخصية المدمرة.