الإثنين 10 مايو 2021

مستقبل دراسات تحليل الخطاب فى مصر

مقالات17-4-2021 | 19:18

 

 

تحليل الخطاب علم من علوم الماضي والحاضر المستقبل، لكن يبدو أن أهميته بل خطورته العظيمة تكشفت بقوة في سنوات العقد الماضي، وفي تقدير كثيرين من العلماء هو واحد من العلوم التي ترتبط بالأمن القومي للأمم والدول والشعوب والمجتمعات، وإهماله قد يوقع أي دولة أو مجتمع تحت دائرة الخضوع للآخر، لأن الخضوع لخطابات الآخر هو بالضرورة خضوع له، خصوصا وأن الخطابات أصبحت من الكثرة والانتشار والتخفي والصدور العفوي والفاعلية الممتدة بما يجعل الإنسان محاصرا بها في كل لحظة من حياته.

 

في ظني أن غالبية من اشتغلوا في مجال تحليل الخطاب ودراسة بلاغته من النقاد العرب مؤدلجون لم ينتجوا الكثير أو أن بعضهم بالأساس من المديوكر؛ محدودي الموهبة فكرا وفلسفة وفنا، ولهذا يبقى هذا المجال بلا تطبيقات مهمة تذكر وبلا استزراع حقيقي في تربة الثقافة العربية، وفي اعتقادي أن دارسي اللغة العربية المدرسيين المشبعين بكم هائل من اليقينيات والثوابت والمائلين فطريا إلى فكرة التقعيد والرغبة في إثبات أن القديم فيه كل شيء، لا يصلحون أصلا لمثل هذه الدراسات التي تحتاج ركضا في مساحات ثقافية أكثر رحابة من دراسة الخطاب الأدبي أو دراسة اللغة العربية. مجال يحتاج إلى اشتغال مرهف على المساحات البينية بين التخصصات دون أدنى درجة من توهم المعرفة الكاملة أو الزهو بعلم ضخم، يحتاج إلى إيمان بالمادي والروحي بالقدر ذاته، وإلى طاقة استثنائية في تخيل الذهنيات الجمعية ومستقبلي الخطاب المحتملين، يحتاج إلى تصور كافة وضعيات الخطاب في ظل عالم جديد هو بالأساس صراع شامل بين الخطابات ظاهرها وخفيها، بين الخطابات المعلنة المباشرة وأخرى لا تتجسد إلا في الفعل أو العمل. صراع بين خطابات توظف الجمالي وأخرى توظف الديني وتشتغل على الأوهام وتستثمر الرعب الكامن في البشر من الموت وما بعده، خطابات منها الساذج وأخرى تمارس فاعليتها وفق تركيبة معقدة.

 

هذا العصر هو عصر الحيلة، إنتاج الدواء فيه يمثل خطابا غير معلن، والتجارة وحركة السفن خطاب، والسلاح خطاب، والمسكنة والضعف خطاب مضاد، والأهم من كل هذا التنوع هو التنوع المقابل في ذهنيات المستقبلين، وهذه هي المساحة الأهم التي نبه عليها المنظرون المؤسسون للنقد الثقافي والمشتغلون بتحليل الخطاب في الغرب لكنهم لم يدرسوها كافة ولن يقدر أحد على تتبع كافة تنويعاتها التي تتسع لتستوعب كل حارة أو منطق سكنية في العالم لها طبيعة ثقافية خاصة أو مختلفة.

 

جزء مهم من ضعف الدراسات في هذا المجال لدينا مرتبط بلغة النقد، بل لغة العقل الجمعي أو بالأحرى اللغة المشتركة الغائبة أو المفقودة في مجتمعاتنا التي لا تقرأ من الأساس ولا تفكر وليس فيها حياة للفلسفة التي اضطهدوها من قرون حتى مات العقل، لكنها قد تعود مع قوة الربط التكنولوجي للعالم ببعضه.

 

هناك فجوة هائلة في عالمنا العربي وبخاصة مصر بين ما يتوافر فيها من خطابات قوية وفاعلة وبين الدراسات التي تقوم على مقاربة الخطاب وتحليله ودرسه بشكل علمي وإخضاعه لعديد الأنماط التفتيشية المراقبة، تنظر في احتمالات الفهم وصياغة العقل الجمعي ومقدار الفاعلية ومساحة الانتشار، وعلاقة الجمالي بالفاعلية، وحركية الأنساق الجمالية وتطورها، وغيرها من المصطلحات والافتراضات التي طرحها المنظرون وأطلقوها.

 

الخطابات أصبحت لا تقل في خطورتها عن السلاح، بل هي مرحلة تسبق مراحل السلاح التقليدي من حيث الترتيب الطبيعي لأي حدث في العالم، فإيقاع مجتمع معين في حال من الفتنة يسبق بالتأكيد مرحلة الحرب الأهلية أو حتى محاولات لم الشمل بالحرب النظامية الراغبة في إجبار المجتمع على التماسك بالقوة.

 

لدينا أكاديميات وجامعات كثيرة، لكن ليس منها ما هو مؤهل فكريا وثقافيا وفلسفيا لدراسة الخطابات وتحليلها أو محاولة تنظيمها أو وضع استراتيجيات مفترضة للتعامل معها، تسللت دراسات تحليل الخطاب إلى الثقافة العربية عبر نقاد الأدب لكن الاهتمام الأكبر كان عند نقاد المغرب العربي الذين كانوا أكثر التصاقا بالثقافة الفرنسية ومنتجاتها وبخاصة فكر المنظر الأكبر في هذا المجال الفيلسوف ميشيل فوكو، لكن مع الأسف كان الدارسون لهذا المجال من العرب سواء المغاربة أو المصريين ضيقوا الأفق بشكل طبيعي لانحصارهم إما في دراسة الخطاب الأدبي أو لدخولهم المجال بدافع من أيديولوجيا سياسية أغلبها يرتبط بجماعات الإسلام السياسي الراغب في درس الخطاب السياسي للقادة العسكريين أو للقادة المناوئين لهم لتسليط الضوء على أنساق بعينها تكشف الضعف أو التناقض، في مصر على سبيل التمثيل تجد بعض الدراسات لتحليل الخطاب السياسي تخلو تماما من الأبعاد الجمالية أو لا تستوفي مطالب درس الخطاب بشكل شامل لمجرد أنها لا تريد غير إثبات دلالات سياسية بعينها عند السادات أو جمال عبد الناصر، تريد مثلا إثبات أن عبد الناصر كان يرى في نفسه إلها أو لا يرى قوة أخرى وراءه، أو أنه كان في أعماقه شيوعيا، وترى الأبعاد الإيمانية مثلا للرئيس السادات، وتؤكد على قدر دهائه، وهي في الحقيقة دراسات لا تخفي إخوانيتها أو بالأحرى تؤكد على عدم علميتها من خلال ممارساتها وتطبيقاتها الصاخبة بالتناقض.

 

فقد لاحظت مثلا أن بعض من درسوا الخطاب السياسي عند الرئيسين يريدون الانتصار بدرجة ما لخطاب الرئيس السادات وإثبات أنه أفضل من الرئيس جمال عبد الناصر، وليس هذه مشكلة في ذاتها لو كانت نتيجة علمية دقيقة، لكن المشكلة في أنها تكشف عن نية مبيتة في الانتصار لأحدهما أو للتقليل من آخر لرغبة معينة. مازال الإسلاميون مثلا يرون أن الرئيس السادات أفضل كثيرا من الزعيم جمال عبد الناصر برغم أنهم قتلوا السادات، وهكذا يمكن أن يفعلوا مع أي رئيس يمكن أن يضع يده في يدهم أو يقترب منهم، فهم مثل ذئاب غادرة إن سنحت لها فرصة التهام الآخر فلن تضيعها.

 

الآن لدينا منصات عديدة لإطلاق الخطابات، منها خطابات قوية، ومنها خطابات تخفي أنساقا معينة، أو تبطن دلالات مشفرة خاصة ترسلها إلى الجماهير، منها خطابات ملتبسة تفهم بأكثر من معنى أو تنفتح على رسائل عديدة. كل رئيس جمهورية ذكي أو قائد سياسي محنك ويتمتع بقدر كبير من العبقرية هم المنصة الأهم لإطلاق الخطابات وصناعة الرأي وتشكيل الوعي، وبالتالي أين الدراسات التي تقوم على بحث هذه الخطابات وتفكيكها وتحليلها أو تفسيرها؟ لفت انتباهي مثلا خطاب الإعلانات، وهي بذاتها مجال خصب وثري وفيها عديد الاحتمالات لرسائل من أنواع وأنماط مختلفة، إعلانات التبرعات والنبرة التي تشتغل وفقها على استدرار العطف أو مخاطرها من منح شعور بانتشار المرض أو التشوه والقبح والتهدم، وما يمكن أن تصنع لدى المستقبلين من نزعات تشاؤمية أو شعور بعدم الرضا أو ما يمكن أن تسببه من الاكتئاب إذا اتبعت شكلا معينا أو طرقا خاصة. خطاب إعلانات شركات الاتصالات وما يمكن أن تلمح به من دلالات معينة خاصة بقوة الجماهير والجموع أو فكرة الرأي الجمعي أو حتى معاني خاصة بالثورة، ولن أقول الخطاب الدرامي وما يمكن أن يشكل من حالات ووضعيات لانهائية من الخطاب ومن مسارات تكوين الرأي.

 

ولهذا وبكل صراحة أؤكد على أن دارسي الأدب العربي في كليات الآداب ودار العلوم لا يمكن أن يتناولون مجال تحليل الخطاب بالشكل الذي يوفي احتياجاتنا أو يتناسب مع أهميته العظمى، الأمر يحتاج إلى مراكز بحثية ومعاهد متخصصة تقوم بشكل كامل على دراسته، قد تكون نواتها من المشتغلين على هذا المجال في النقد الأدبي المرتبطين بنزعات ما بعد الحداثة والنقد الثقافي أو النقد الفني في أكاديمية الفنون أو غيرهم من النقاد ذوي المرجعيات المعرفية المتقدمة.