الإثنين 10 مايو 2021

الأمل خميرة الحياة

مقالات16-4-2021 | 14:47

يقول القديس بولس: "وإنَّا نَعَلُم أنَّ الله يُسَخِّرُ كل شيء لخيرِ الذين يُحبُّونه" ( رومية 28:8).

كثيرون هم الذين يسيطر عليهم اليأس وفقدان الأمل والتشاؤم، بسبب ضغوط الحياة والظروف الصعبة التي يمرون بها: غلاء المعيشة، فقدان أعزاء، خيانة البعض، عدم نوال ما يتمنونه في العمل أو الأسرة، وغيرها.

يُحكى عن صديقين خرجا معاً في صباح أحد الأيام الممطرة، متوجهين للعمل، وكانت الأمطار تهطل بغزارة، فسأل أحدهما صديقه: "هل تظن أن المطر سيتوقف؟" فأجاب الآخر: "إنه يتوقف دوماً". وكذلك بالنسبة لنا، نرى الأحداث الصعبة في حياتنا، وكأنها أبدية ليست لها نهاية، ولكن يجب ألا يتوه عن بالنا أنه لا يوجد شيء يدوم أبداً، وكما نقول: "دوام الحال من المحال". لأنه ليس من شدّة أو معضلة، إلا ونستطيع التغلّب عليها بالإيمان والصبر والعمل الصالح والصلاة. لذلك يجب علينا أن نقبل ظروف الحياة ونشكر الله عليها. فالأمل هو خميرة الحياة، وقليلون هم الذين يتحلون به، لكن اليأس يسيطر على الغالبية العظمى ولأتفه الأسباب، ولا يفرّق بين الغني والفقير، المثقف وغير المثقف، الكبير والصغير.

ويقول الكاتب الألماني Johannes Scheffer: "الأمل كالحبل السميك؛ فإذا استطاع الغريق أن يتحلّى بالأمل، سينتشله الله به من الوحل الذي وقع فيه". فالأمل فضيلة تقودنا نحو الله، وتمنحنا السعادة، لأنه عطية ونعمة، ويجب على كل شخصٍ منّا أن يمسك بالحبل بكل قواه، حتى يستطيع النجاة من المشاكل والصعوبات، بينما اليأس هو الجحيم الذي نعيشه الآن، لأنه يبدد طموحاتنا وقوانا ويشل تفكيرنا. فالحياة تتعثر ولكنها لا تتوقف، والأمل يضمحل ولكنه لا يموت، لأن أطول يوم بكل ما يحمله من صعوبات كأقصر يوم له نهاية. فالتفاؤل هو الحالة الطبيعية لكل إنسانٍ عاقلٍ وحكيم، لأنه يثق في عناية ورحمة الله القادر على كل شيء، ومَنْ لا يثق في حنان الله وأبوّته؛ يُعتبر فاقد الإيمان، كما أن عدم الصبر على ما يسمح به؛ هو تمرد على أحكام الله وتدابيره.

ويلخّص لنا الفيلسوف Ernst Bloch حالة الارتباك التي يمر بها الناس بقوله: "من نحن؟ مِن أين أتينا؟ إلى أين نذهب؟ ما الذي ننتظره؟ ماذا ينتظرنا؟ كثيرون هم الذين يعيشون في وضع مرتبك، لأن العالم الذي نعيش فيه متقلّب... والحل هو أننا في حاجةٍ للأمل". ينتقل الفيلسوف من الواقع الذي نعيشه، ويرى الحل هو الأمل الذي سيصبح علاجاً للخوف واليأس والتشاؤم. لأنه مادامت هناك حياة؛ لا بد أن يكون الأمل، ونستطيع القول: "ما دام هناك إيمان؛ سنجد الرجاء وألأمل". كما أننا إذا نظرنا إلى مَنْ هم أقل منّا صحة وسعادة وغنى؛ سنشكر الله على ظروفنا ونتقبلّها بقلبٍ راضٍ، لأن الله سينعم علينا ببركاته ونِعَمه. كما أن الفرح الكامل يكون حيث التدين الحق والثقة الكاملة بأبوّة الله وحنانه، وخلاف ذلك، فهناك الحزن والكآبة والضجر.

مما لا شك فيه أن التفاؤل يشحذ الهمّة، ويلهب الحماس، وبالتالي يضاعف القوى، والتفاؤل يحمل ثماره لنا ولكل من يحيط بنا. إذاً لا داعي للتشاؤم أو إلقاء اللوم على الدُنيا، لأننا حُرمنا من أشياءٍ كثيرة مثل المال أو المناصب أو الصحة؛ لأن مَنْ يفتح عينيه ويلتفت حوله جيداً، سيكتشف أن الله منحه نعماً وعطايا ومزايا لا مثيل لها، لذلك لا نحزن بسبب حرماننا من بعض الأشياء التي نرغب فيها؛ بل نقدّر قيمة ما لدينا ونستمتع بما منحنا إياه الله من الصحة والطبيعة والأسرة والأصدقاء.

مما لا شك فيه أن مع نهاية الليل ليس هناك ليلاً، ولكن فجراً، وعند نهاية اليأس، ليس هناك يأساً ولكن أملاً، لأن الليل يُزهر في النهار، واليأس ينبت منه الأمل، كل هذا لن يتحقق إلا بالإيمان بالله وقدرته الغير محدودة والعظيمة التي تنتشلنا من ظلام الليل وبئر اليأس. نستطيع أن نستخرج أملاً جديداً من قلب الأحداث المؤلمة التي تواجهنا في حياتنا اليومية، ونتحلّى بالرجاء عندما نضع ثقتنا في الله القادر على كل شيء، ولا نحزن على يومٍ مظلمٍ انقضى، فسيكون الغد مُشرقاً أكثر ما دمنا نمتلك قلباً شجاعاً وإيماناً مستقيماً، ونجد من نحبّه ويحبّنا. كم من الأشخاص الذين نشروا النور من حولهم، دون أن نعلم بأن داخلهم مليء بالألم، لأن إيمانهم كان نوراً أضاء للآخرين، فالنفوس التي لا تتألم، لا تستطيع أن تحلّق في سماء الإنسانية. ونختم بالمثل الصيني: "بدلاً من أن تلعن الظلام، أنر شمعة".

الاكثر قراءة